خيال وجنون المخرج رأفت الميهي محبب، بينما رسائل يوسف شاهين مملة، وفيها عقد كثيرة ونهايات مفتوحة تؤدي إلى أشياء كثيرة ليست المتعة بينها، أفكاره جدلية و"مجعلكة" مهمومة بتفاصيل التفاصيل، وأظن الصدى الدولي منحه اهتماما أكثر من غيره، مدرسة الميهي وهي بالفعل كذلك فيها من الخفة والرشاقة الكثير معه حتى ممدوح عبدالعليم تحول إلى نجم استعراضي في "يامهلبية يا"، وفي "الذل" رأينا يحيى الفخراني كوميديا من طراز رفيع. أما محمود عبدالعزيز فتحول إلى كائن خرافي متفجر بالسخرية الهائلة في "سيداتي أنساتي"، وأما عادل إمام فكان في "الأفوكاتو" سحرا مختلفا ورشيقا متمايزا عن جل أعمال مسيرته الأخرى، أدخل الميهي إلى السينما المصرية تكنيك المشهد المفصول والمعزول حيث الحوار ساخر وقصير وبلا موضوع، لكنه حوار لذيذ بينما كان الحوار مشروع شاهين الوحيد حيث كل ما يحدث جدل ونقاش وأفكار، والفيلم دراسة فكرية بلا روح وتمريرات تخاطب مشاهدا كونيا، صحيح أن كاميرته مميزة لكن هذا لم ينزع من أعماله ثقل الدم والنزق، وغالبا ما ترافق أعماله ضجة هي في زعمي مدبرة ومرسومة لزوم الرواج في حين حاول الميهي دوما تفادي مثل هذه النوعية من الضجيج رغم أن أعماله لم يغب عنها ذلك، رحل يوسف شاهين تاركا تراثا سينمائيا هائلا وبوابة مفتوحة للسينما المصرية على العالمية، حاول تلامذته السير على ذات المنهج وإن بدوا أقل بمراحل من منجزه، واليوم تحفل السينما المصرية بموجة أعمال جلها كوميدي النزعة تبتعد قليلا عن المحاولات الجريئة عدا إطلالات داوود عبدالسيد ويسري نصرالله، لكن رأفت الميهي مختلف لا يشبه أحدا، فيه كل جنون السينما وخيالها الواسع الأخاذ وخفتها المدهشة التي لا تترك عقلك وروحك، الموضوع غير مهم، الجنون هو الأهم، والآن ابتعد رأفت الميهي منذ زمن، وفقدت السينما نبضا استثنائيا جاء لها من بوابة السيناريو، السيناريست المخرج الفنان الذي شرع الباب للجنون الفكاهي والموضوع اللاموضوع. الفكرة تستحوذ على العمل كاملا.