لحظات من عمرنا تمر علينا نعيشها بفخر، نمشي منتشين، مرفوعي الرأس، نشعر وكأن الغار لم يخلق إلا ليكلل رؤوسنا.. هذا ما عشته وأنا بعيدة عن أرض الوطن، لكنها لحظات خطت في روحي اسم وطني، وبيد من؟ بيد قائد عظيم خلده التاريخ لموقف اتخذه وجعله في دائرة الخطر ولكنه لم يبال، بطل من أبطال وطني دفع حياته ثمن قراره، ولكنه كان قرارا انبثق من انتمائه لأمة عرف حقها عليه وإن لم تعطه حقه!.
كنت طفلة، ولكني كنت أعرف من هو العدو، فلقد تربيت على أصداء اعتداءاته وطغيانه، وفي ذلك اليوم المجيد، حين سمعنا على المذياع بدء الهجوم عليه، كدنا نطير من الفرحة، وأخذنا نتابع الأخبار بكل شغف، نريد المزيد.. نريد أن نستعيد ذاك المجد لأمتنا الذي سمعنا عنه ولم نعش سوى هزائمه، تواترت ذكريات الرعب والاختباء في الملاجئ، وزجاج الشرفات الأزرق، ودعاء جدتي كلما سمعت صوت أزيز طائرات العدو يخترق السماء، أردت إطفاء الغضب داخل روحي، نعم كنت طفلة، ولكني كنت طفلة عرفت الألم ورأت الأشلاء والدماء. خبرات صعبة لكنني عشتها وعانيت من تبعاتها، من ثورات الغضب والخوف والكوابيس، ثم جاء الأمل وبسويعات قليلة شعرت بأني أمتلك العالم بين يدي.. الله أكبر، الله أكبر.. كنا نرددها مع كل خبر من الجبهة، ها هو الجيش الذي قالوا إنه لا يقهر، يتقهقر أمام ضربات جيوشنا العربية، ويستغيث بالغرب، وحين قامت أميركا بمد جسور جوية لإمداد العدو بما خسره، شعرنا بالخوف، وبدأ الشك يتسلل إلى قلوبنا.. وإذ به يخرج على العالم بموقف رجل عربي أبيٍّ صلب، قطع إمدادات البترول عن الغرب، حينها جن جنونهم، ولكنه لم يكترث وقال مقولته الشهيرة: "عشنا، وعاش أجدادنا، على التمر واللبن، وسنعود إليهما".. الله أكبر.. الله أكبر، ما أعظمك يا ملكنا.. كنت أرددها في أروقة المدرسة وأنا أجري، أريد الجميع أن يعلم ما فعله الملك فيصل بن عبدالعزيز، يا الله، كم شعرت بالفخر حينها بوطني.. بأرضي.. بمليكي.
وكلما جاءت ذكرى حرب أكتوبر، أتذكر الرجل الذي هزّ العالم، أتذكر من وضع المملكة على خارطة العالم، وقال للعالم نحن هنا فأصغوا وانتبهوا، ولكن، ما يؤلمني أن هذا الرجل العظيم صاحب الموقف العظيم لم يمنح ما يستحقه في احتفالات حرب أكتوبر! يتحدثون عن أمجاد رؤسائهم وتضحيات جيوشهم وبالكاد يتذكرونه! يحترق قلبي وأشعر أنني أريد أن أصرخ، ثم أستدير إلى إعلامنا فلا أجد شيئا! كيف ألوم الغير وفي هذا اليوم الذي يجب أن يكرس له ولذكراه يمر علينا كأي يوم آخر! لا مدارس ولا جامعات ولا إعلام يحتفل بذكرى بطلنا! إن هم نسوا ما فعله فكيف ننسى نحن؟! ينبغي ألا نترك ذكرى يوم كهذا تمر مرور الكرام دون أن نكرسها لذكراه.. ذكرى يوم أعطانا فيه الكرامة! لقد ترك لنا درسا في الأخوة والتعاون والعزة والكرامة، وماذا فعلنا نحن العرب بهذا الدرس؟ نتناحر على كل المنابر، ونتفنن في القذف والشتائم، وتمزيق بعضنا البعض، معرضين الأمة التي سعى لتوحيدها للتمزق والتشرذم!
سامحنا.. أعذرنا لقد فرطنا بالأمانة.. كل يسعى لمجده، ونسينا مجدا بنيته يوما لنا! هذا يريد.. وهذا يعترض.. وهذه تهاجم، وتلك تستجير بالخارج! نسينا طريقا رسمته ليجمعنا، وبدلا من التقدم اخترنا الاستدارة ومهاجمة بعضنا البعض! لن نعرف قيمة الأمانة إلا حين نقدر قيمة التضحية التي قمت بها من أجلنا ومن أجل أمتنا.. اللهم ارحم الملك فيصل بن عبدالعزيز، وأسكنه فسيح جناتك.. اللهم آمين.