في العدد رقم 4752 وتاريخ 3 أكتوبر 2013م من صحيفة "الوطن"، تفضل ديوان المراقبة العامة مشكوراً بالتعقيب على مقالي: "علاقة المساءلة بالمال العام..أمانة القصيم أنموذجاً"، وذلك بهدف إيضاح حقائق الأمور للرأي العام، وهذا التجاوب مع كتاب الرأي يدل على اهتمام الديوان ومتابعته لما ينشر في الإعلام بما ينعكس بالإيجاب على تفعيل مبدأ المساءلة وتطوير وتحسين الرقابة الحكومية في المملكة.

ومن أجل إكمال إيضاح الصورة أكثر، وبهدف تحديد أوجه القصور والخلل في مجال منظومة المساءلة، التي يشكل ديوان المراقبة العامة محورها، بصفته الجهاز الرقابي الأهم والأعلى في الدولة، فإن لدي بعض الملاحظات على تعقيب الديوان سالف الذكر، وذلك على النحو التالي:

أولاً/ ذكرت في مقالي السابق بأنه لا توجد جهة رقابية مستقلة تقوم بمراجعة الحسابات الختامية للجهات الحكومية حتى يمكن الحكم على مصداقية التقارير المالية، وذلك يعني عدم وجود منهجية وأساليب رقابية تتفق مع معايير المراجعة المتعارف عليها، وذلك في إبداء رأي مهني حول مصداقية البيانات الواردة في الحسابات الختامية، فهذا النوع من الرأي أو الشهادة -إن صح التعبير- غير موجود على الإطلاق حول سلامة التقارير المالية الحكومية من الناحية النظامية والفنية حتى يمكن الوثوق بها، وديوان المراقبة في الحقيقة لا يبدي هذا النوع من الرأي المهني.

وديوان المراقبة يدرك هذه الحقيقة بالرغم من نفيها في تعقيبه السابق، فقد ورد في معايير المراجعة الصادرة عن الديوان نفسه، بأن مفهوم المراجعة الحكومية تعني بأنها "الفحص والتقييم الذي يهدف إلى إبداء الرأي في البيانات والقوائم المالية والتصرفات المالية للجهات الخاضعة للرقابة..، لذا فإن المراجعة تعد أداة لعملية المساءلة واكتشاف الانحرافات"، وورد أيضاً في المعايير ما نصه: "يدرك ديوان المراقبة العامة بأن هذا المفهوم يتفق مع متطلبات التنمية والنهضة التي تواكبها المملكة".

والمفهوم السابق للمراجعة الذي تبناه الديوان، هو التعريف الوارد نفسه في المعايير الدولية سواء في القطاع الحكومي أو في الشركات والمؤسسات، ونشاهد الرأي المهني على سبيل المثال في التقارير المالية للشركات عندما يقول المراجع الخارجي رأيه بكل صراحة ليؤكد عدالة البيانات والمعلومات المقدمة للمستفيدين، وفي الولايات المتحدة الأميركية نجد مثل هذا الرأي أيضاً في القطاع الحكومي فيما يتعلق بمدى توافق التقارير المالية مع الأنظمة والقوانين، وكذلك مدى قوة أنظمة الرقابة الداخلية فيها، فلماذا لا نجد مثل هذا الرأي على الحسابات الختامية للجهات الحكومية من قبل ديوان المراقبة؟.

ثانياً: ورد في تعقيب الديوان ما نصه: "يؤكد الديوان على أن نتائج مراجعته للحسابات الختامية للجهات الحكومية المشمولة برقابته تشتمل على دراسات وتحاليل متعمقة لمكونات الحسابات الختامية من أرصدة عهد وأمانات ومطلوبات ومناقلات"! وهذا القول في الحقيقة يتعارض مع تصريحات وأخبار نشرت في الوسائل الإعلامية.

ففي العدد رقم 3626 وتاريخ 22 مايو 2011م من صحيفة عكاظ، ورد خبر عن الديوان جاء فيه ما نصه: "انتقد ديوان المراقبة العامة وزارة المالية عدم تمكينه من فحص الحساب الختامي للدولة ميدانياً، وأشار الديوان أنه لم يطلع على البيانات المكونة للحساب الختامي السنوي للدولة وهي عبارة عن أرصدة إجمالية لحسابات مستخرجة من سجلات ودفاتر محاسبية.. وبين الديوان أن مراجعته لبيانات الحساب الختامي للدولة وأرصدته الإجمالية لا تمثل سوى مطالعات ومرئيات عامة حول تلك الأرصدة ولا تفي بمتطلبات الفحص والتحليل المطلوبة نظاماً للتحقق من دقة البيانات الواردة بالحساب الختامي للدولة وصحة مكونات أرقامه.."! وهذا القول ينطبق أيضاً على الحسابات الختامية للجهات الحكومية فهي عبارة عن أرصدة إجمالية ولا يتم التحقق من صحتها ميدانياً، فحسابات العهد والأمانات ليس بها تفاصيل وتكرر في كل سنة مالية، وأما المناقلات كما جاء في تصريح للديوان في صحيفة الرياض العدد 14899 وتاريخ 9 أبريل 2009م، ذكر بأنها عبارة عن "إجراء نظامي تتخذه الجهات الحكومية لنقل مبالغ من بنود أو أبواب أخرى في الميزانية، وقد لاحظ الديوان التوسع في إجراء هذه المناقلات"، فأين الدراسات والتحاليل المعمقة لهذه الحسابات؟، وما مدى سلامتها فنياً ونظامياً؟، وهذا معناه أنه ليس ثمة قدرة على الرقابة ومتابعة الحسابات والمساءلة عنها.

يقول أحد المسؤولين في ديوان المراقبة العامة في مقالة له في مجلة "المراقبة" الصادرة عن الديوان العدد 28 في جمادى الأولى 1433هـ ما نصه :"في أغلب الأحوال لا تسفر المراجعة المالية لنسبة كبيرة من مستندات الصرف عن ملاحظات كثيرة، أو قد تسفر عن ملاحظات قليلة نسبياً..، وحيث إن العمليات المشبوهة والهدر في الصرف دونما حاجة فعلية لذلك في أغلب الأحوال تكون مسوغات صرفها مكتملة وعملياتها الحسابية سليمة"، وهذا اعتراف بأن التلاعب في الحسابات لا يمكن كشفه من خلال المراجعة المستندية مكتبياً، التي تشكل جل العمل الحالي لديوان المراقبة، وبالتالي فإن الرقابة تكون صورية، وفي أغلب الأحوال هي نظم استيفاء ورقي، فالأمور تبدو في الظاهر مستوفاة ومنضبطة، وفي حقيقتها تخفي الكثير من الانحرافات، كما أن الرقابة بشكلها الحالي لا تحقق متطلبات المساءلة التي ينشدها الرأي العام.

إن الهدف من المصادقة على الحسابات الختامية، هو توفير أساس من الثقة في الإدارة العامة، وإرساء الثقة في عمليات الجهات الحكومية، وذلك من خلال الحصول على رأي فني مهني محايد بشأن الأموال العامة من قبل جهة رقابية مستقلة تقوم بتحليل المخاطر والثغرات، وتقييم قواعد العمل والإجراءات وفحص أنظمة الرقابة الداخلية.

وتطوير العمل بديوان المراقبة العامة لا يقتصر فقط على تطوير نظامه الحالي أو تكثيف أعمال منسوبيه وتدريبهم، وإنما يتطلب الأمر تطوير أسلوب العمل بالتحول إلى المراجعة المهنية الميدانية، التي تعد الأداة الرئيسة لتطبيق المساءلة على أرض الواقع.