اهتم نقاد العصر الحديث بوحدة القصيدة، سواء أكانت وحدة الموضوع، أم الوحدة الفنية، أو العضوية، وذلك لا يعني أن النقد القديم لم يتنبه لذلك، وبخاصة وحدة الموضوع، لكن اهتمامه كان منصبا على وحدة البيت، مما أوجد الاعتقاد بأن الشعراء والنقاد القدماء قد غفلوا غفلة كاملة عن وحدة القصيدة، وشاع ذلك الاعتقاد بسبب اشتمال القصيدة العربية التقليدية على أكثر من موضوع، غير أن النظر في بعض القصائد العمودية الحديثة ـ لغير المقلدين ـ يجعل من "وحدة البيت" ماضيا؛ لأن القصيدة صارت كيانا واحدا، ذا تجربة شعورية متجانسة الدوافع، وذا أثر نفسي واحد، مما يمنحها التفرد، ويهبها سماتها الخاصة الخالصة من شوائب التشتت المؤدي إلى التشتيت.

ومن النماذج "العمودية" التي تحققت فيها الوحدة بشكل واضح، قصيدة عنوانها: "مرثية الخونة" للشاعر محمد زايد الألمعي، وهي ذاتية غاضبة يرثي بها خائنيه رثاء مجازيا، بعد أن افترض موتهم، لأنه حذفهم من محيطه وحياته. يقول في مقدمتها:

مِثْلَ القَصيْدَةِ تأتِي دُونَما يَجِبُ

يَدْنُونَ مِنْكَ وفي إقْدَامِهِمْ هَرَبُ

فَتَسْتَرِيْبُ لرؤيَاهمْ على قَلَقٍ

وتَسْتَجيبُ وفي إقبَالِكَ الرّيَبُ

مَنْ حَاربُوكَ وهمْ مِنْ أَجْلِكَ احْتَرَبُوا

وخَوَّنُوكَ وقدْ خَانُوكَ وانْسَحَبُوا

ووحدة الموضوع في هذه القصيدة ظاهرة؛ تتجلى في كون القصيدة من أول بيت فيها، إلى آخر بيت، هجاء ذا معان جديدة لأولئك الذين وصفهم الشاعر بأنهم "خونة"، ومما عزز ذلك حضور ضمير الغائب في جل أبياتها، وتعلق المعنى في كل بيت بمعنى سابقه، حتى إن بعض الأبيات معطوفة على التي تسبقها، أو متممة لمعناها، كقوله:

مَنْ رَافَقُوكَ لكي تَشْقَى بِصُحْبَتِهِم

فَهُمْ خَطَايَاكَ خَانُوا مَثْلَما صَحِبُوا

وَهُمْ رِفَاقُكَ إذْ آنسْتَ وِحدَتَهُم

وهُمْ مَلامَتُكَ الكُبْرَى إذا عتَبُوا

كما تتجلى الوحدة الفنية في كثرة استخدام الروابط اللغوية، مثل حروف العطف التي لا يكاد يخلو منها بيت، وفي التكرار اللفظي الذي جاء معززا للمعاني، وغير خارج عنها، ومتسقا مع الإطار العام للقصيدة، التي تتجه ـ بكل معانيها ـ نحو فكرة واحدة هي مثالب أولئك الأصدقاء الخائنين، ومن ذلك تكرار الاسم الموصول: "من" بمعنى "الذين"، وقد تكرر أربع مرات، ليكون ملائما للقول في أوصاف أولئك، ومثله تتابع ضمائر الغائب، وتكرار كاف الخطاب أربعا وعشرين مرة، في سبعة عشر بيتا، هي أبيات القصيدة كلها، وهو تكرار ينتظم أبيات القصيدة من بدايتها إلى نهايتها، مما يجعلها تسير في مسار واحد، سواء أكان ذلك من حيث: المعاني، أم الألفاظ، أم التجربة، وبهذا تحققت فيها وحدة الموضوع، ووحدة المشاعر.

هذه القصيدة وأمثالها، تقول بإيجاز: إن في الشكل الشعري التقليدي، قصائد أكثر حداثة من مئات القصائد المكتوبة على الشكل الجديد.