أكتب هذا المقال من نيويورك، حيث شهدت الولايات المتحدة أزمتين خلال الأسبوعين الماضيين تؤشران بوضوح إلى ضعف النفوذ الدولي للولايات المتحدة، إحداهما خارجية تتعلق بتغيُّر الموقف الأميركي حيال سورية، والأخرى داخلية وتتعلق بتوقف أعمال الحكومة الأميركية بسبب عدم التوصل إلى اتفاق حول الميزانية. وقد يكون لهما نتائج بعيدة المدى على الدور الأميركي وفعاليته في الشرق الأوسط والخليج. وربما كانت الأزمتان مؤشرين كذلك على ما يمكن توقعه من الإدارة الأميركية خلال ما تبقّى من عهد الرئيس أوباما.
أولاً، كان هناك التراجع في الموقف الأميركي من أزمة الهجمات الكيماوية التي ذهب ضحيتها أكثر من 1400 مدني في ضاحية الغوطة بدمشق، منهم 400 طفل قُتلوا بالغاز وهم نائمون، في صباح الأربعاء 21 أغسطس. ففي البداية، وحالما تحقق الجانب الأميركي من ضلوع مسؤولين كبار في النظام في ذلك الهجوم، وجّه الرئيس الأميركي بالاستعداد حالاً لإيقاع ضربة موجعة بالنظام السوري، دون الحاجة إلى أخذ موافقة الكونجرس، باعتبار ذلك من صلاحيات الرئيس وفقاً للدستور. وبالطبع، ما كان مستعداً لانتظار موافقة مجلس الأمن المشلول بالفيتو الروسي. ولكن الرئيس، فجأة، قرر إحالة الأمر إلى الكونجرس، وما إن بدأ الكونجرس في مناقشة الموضوع، حتى أوقف الرئيس النقاش بطلبه إرجاء التصويت عليه.
وفي الوقت نفسه، تراجعت الولايات المتحدة في تعاملها مع الموضوع على المستوى الدولي، فقبلت المقترح الروسي بوضع "إطار" للتخلص من الأسلحة الكيماوية في سورية. وهو الإطار الذي اعتمده مجلس الأمن بقراره في 27 سبتمبر.
وكما طلب الجانب الأميركي، صدر القرار مبنياً على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يمكن أن يعني إمكانية استخدام القوة لإجبار النظام السوري على التنفيذ، لولا أن التعديل الروسي (الذي تم تضمينه في القرار) أفرغه من تأثيره، حيث أضاف إليه ضرورة العودة إلى مجلس الأمن قبل اتخاذ أي إجراء بحق النظام السوري، مما سيعطي لروسيا فرصة استخدام حق الفيتو مرة أخرى. وبذلك، توقف الحديث، على المستوى الدولي، عن محاسبة المسؤولين في النظام السوري عن الهجمات الكيماوية، فضلاً عن الفظائع الأخرى التي ارتكبت باستخدام الأسلحة التقليدية، التي قضى بسببها أكثر من 100 ألف سوري. ولا شك أن الاتفاق الروسي-الأميركي، وقرار مجلس الأمن، قد أساءا إلى صورة الولايات المتحدة في العالم، حيث ظهرت كصديق وحليف لا يمكن الاعتماد عليه.
ومن التداعيات غير المقصودة للتردد والتقلب في الموقف الأميركي أن النظام السوري فسّر هذه التغيرات بأنها "هزيمة" أميركية، وبدأ حملة إعلامية أخرجت الرئيس السوري من عُزلته في مقابلات تلفزيونية، تحاول إظهاره كرجل دولة، محاولاً استخدام الموقف الأميركي الجديد كدليل على صحة مواقفه السابقة، مُلقياً النصائح عن أخطار الإرهاب ومضاره، مع أنه ليس هناك منافسون كثيرون للنظام السوري في مجال استخدام الإرهاب لتحقيق أغراضه السياسية، في سورية وخارجها.
وربما شعر النظام السوري بأن الاتفاق الأميركي-الروسي وضعه في مأمن من العقوبة، ومن التدخل الخارجي، طالما امتنع عن استخدام الأسلحة الكيماوية، وبدأ يروج لنفسه كنظام مقبول من قبل المجتمع الدولي، وليس النظام المنبوذ القائم على العنف والإرهاب.
وبعد هذه الأحداث، أتت مباشرة أزمة الميزانية في واشنطن، وما أدّت إليه من توقف معظم أعمال الحكومة الاتحادية. وفسرها المحللون في منطقتنا كعلامة أخرى تشكك في قوة الإدارة الأميركية ونفوذها. فمعظم الأميركيين يلومون الحزب الجمهوري (المعارض) على إيقاف أعمال الحكومة، لأنه ليس من مصلحة الحكومة والحزب الديموقراطي الحاكم إيقاف أعمالها وتعطيل سياساتها وبرامجها. ويعرف الأميركيون كذلك أن وراء هذه الأزمة رغبة الجمهوريين في تعطيل برنامج التأمين الصحي الحكومي، أهم إنجاز للرئيس أوباما، وبالتالي إضعافه وحزبه قبل الانتخابات القادمة.
أما لدينا، وربما في مناطق أخرى من العالم، فيُنظر إلى الأزمة المالية-السياسية كعلامة أخرى للفشل الرئاسي والتراجع الأميركي. فعلى مدى أكثر من 10 سنوات، كرر المعلقون اعتقادهم بقرب "انهيار أميركا"، ويعتقدون الآن أن إيقاف أعمال حكومتها دليل جديد على صحة نبوءتهم. ولا يؤثر في هذه النظريات حقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يختلف فيها الكونجرس والبيت الأبيض على الميزانية، ويؤدّي خلافهما إلى إيقاف عمل الحكومة. كما لن يؤثر فيها حقيقة أن الجانبين سيتوصلان في نهاية المطاف إلى حل وسط، كما فعلا في المرات السابقة.
وقد أذكى الرئيس الأميركي ومساعدوه، دون قصد، شرارة تلك التكهنات حين وصفوا هذه الأزمة بأنها تختلف عن سابقاتها، في تأثيرها على أداء الاقتصاد والأسواق المالية. ففي جواب لقناة تلفزيونية عما إذا كانت الأزمة ستضر بالأسواق المالية، قال الرئيس أوباما: "نعم، هذه المرة ستكون مختلفة، وأعتقد أن (الأسواق) يجب أن تكون حذرة." ومع أن هدف الرئيس، في الغالب، تخويف خصومه والضغط عليهم، إلا أن "خبراء" الفضائيات أخذوا ذلك مأخذ الجد، كدليل على صحة نظرياتهم بقرب الانهيار الاقتصادي.
ولعل المسؤولين الأميركيين أرادوا مضاعفة الضغط على الجمهوريين حين قالوا إن معظم أنشطة الحكومة ستتوقف، بما في ذلك ما يتعلق بالأمن القومي ومحاربة الإرهاب، ومتابعة أنشطة النظامين السوري والإيراني. وصدىً لذلك، كان عنوان افتتاحية صحيفة (واشنطن بوست) هذا الأسبوع "إيقاف العمل الحكومي يهدد أمن أميركا"، مضيفة: "إن الحزب الجمهوري بإيقافه عمل الحكومة يهدد أمن سفارات أميركا حول العالم، بل إنه يخاطر بالأمن القومي في وقت تظل فيه الولايات المتحدة في مواجهة مع أخطار القاعدة والمجموعات الأخرى المتحالفة معها".
ويستمر السياسيون الأميركيون في تبادل التهم حول المسؤولية عن الأزمة المالية السياسية التي تسببت في وقف عمل الحكومة، غير ملتفتين إلى الأضرار الجسيمة التي يمكن أن تُحدثها لصورة أميركا حول العالم، خاصة في الشرق الأوسط والخليج، حيث تواجه أميركا خصوماً عدة، من القاعدة إلى إيران إلى النظام السوري، وهم يراقبون الخصم الأميركي يتراجع عن مواقفه واحداً تلو الآخر، ويعجز عن التوصل إلى اتفاق، ولو مرحلي، يسمح لحكومته بالاستمرار في أعمالها، بما فيها تلك الأعمال المتعلقة بمحاربة أولئك الخصوم.