لا أدري إلى متى ستستمر فوضى إطلاق الأقاويل والتنظيرات غير المسؤولة عبر وسائل الإعلام المختلفة هنا وهناك، حول أي طارئ أو جديد أو مستحدث أو حوادث أو قضايا تُطرح للنقاش، ليدخل المجتمع بكافة شرائحه تالياً في موجات متتالية من الجدل البيزنطي العقيم! ومحاولة تأزيمه إلى الدرجة التي يصل معها أحيانا إلى مناطق حساسة! ولا أعرف طرفاً مستفيداً أكثر من الفراغ في مثل هذه الحالة، إذ لا نحن ناقشنا حالة تستحق الاهتمام، ولا نحن نقلنا ثقافة تستحق النقل للمجتمع أو الأجيال اللاحقة.

ولا أدري لماذا يتجاهل البعض نقطة احترام عقولنا ولا يشعرون بأهميتها، ولا بأحقيتنا كمتلقين في خطاب ناضج، ينطلق في مضمونه من أسس وقواعد تعطي الحوار والآخر أهميته وقيمته، فمثل هذا الطرح وهذا التناول المتواضع جداًّ، يُسقط الأقنعة ويكشف عن ضحالة الخلفية الثقافية لمن يتصدون لتلك النقاشات العقيمة الفارغة في مضمونها، وإن من الأهمية بمكان أن نربط أسلوب الحوار بالموضوع وأصله حتى لا نقع في سفسطة بلهاء أمام القارئ والمتلقي، فاليوم لم تعد هناك نقاط متباعدة بين الطرفين، ولم تعد هناك مسافات زمانية أو مكانية بين الطرفين، فقد تقلصت بفعل التقنية إلى الدرجة التي بات متوجباً معها أن يضع كل منا الآخر نصب عينه، وإلا فإن طرفاً ما سيضع نفسه في مأزق لا يحسد عليه مطلقاً..! ويتطلب الحوار المتمدن الحقيقي إذا ما رغبنا في فتحه وخوض غماره، الوعي بحقوق الآخر وحجم المطروح للنقاش، وتجنب تقديم النوايا والأحكام المسبقة، فذلك سيعكس أسوأ ما في شخصياتنا ويحجم قضايانا بشكل كبير، والأهم من كل ذلك أن نكون على دراية تامة بما سنناقشه ونتحاور من أجله، فأقوى سقطاتنا ستكون في هذه النقطة على وجه التحديد، وهو ما يحدث غالباً في كثير من الحوارات التي يطلقها في الغالب، طرفان غير متكافئين على المستوى العلمي أو المعرفي.

طالعنا قبل أيام قليلة إطلاق حوار ساخن حول حجم التأثير الجسدي الذي سيخلفه فعل قيادة المرأة للسيارة ـ هذا الجدل الذي لا يريد أن ينتهي ـ وأطلق أحدهم ما يشبه ملايين علامات الاستفهام حول المرجعية العلمية التي استند ويستند إليها، ليطلق أحكاماً غريبة تتطلب مرجعية علمية لا دينية بالدرجة الأولى! لا يمكن وصفها بأقل من المتسرعة واللا مسؤولة، خاصة وهو يطرق موضوعا ساخنا يلتصق كثيراً بوجدان المجتمع بأسره، وثير الجدل ـ الساخر ـ هذه المرة حول المصداقية التي يود البعض مناقشة الأمر منها، إما لمعرفته بعقلية المجتمع أو لأنه ربما يعيش خارج تلك العقلية، وهو في الحالتين واقع في مأزق كبير، فمأزقه الأول يتمثل في جدية بحثه عن صدق المعلومة، ومأزقه الثاني يتمثل في انتقاصه لعقلية المجتمع التي استخف بها إلى تلك الدرجة، والتي مكنته من إطلاق العنان لرأيه ذاك بكل بساطة هكذا، فأن نجازف بالقطع في مسألة علمية على أساس ديني، فذلك يعني عدم تقييم مكتمل الأركان للقيمة العلمية للمعلومة نفسها، ولا تقدير مفترض للمضامين الدينية الفقهية، وهما أهم محورين في القضية لارتباطهما المباشر بالمجتمع وعمقه، ومحاولة الالتفاف عليه لا تبدو فكرة سوية على أية حال، لكن البعض على الرغم من ذلك جرب أن يفعلها فوقع نتيجة ذلك في واجهة النقد والانتقاد معاً، أن نتحدث في كل شيء فكرة لا تبدو جيدة، وليست حكيمة بأية درجة تقييمية، وهي أسلوب يدل على عقم طريقتنا في التفكير وشح مصادر التعلم والاطلاع، وإلا ما جدوى أن أضع ما بين يدي للسخرية والتهكم من قبل الآخر؟! وحين نصل إلى درجة العودة إلى ما قبل عصور الظلام في طرحنا لقضايانا، كقضية المبايض وتأثرها بقيادة المرأة للسيارة، نكون قد وضعنا أنفسنا في إطار سخيف لا يرتبط في الواقع بالمنجز العلمي والثقافي والمعرفي الإنساني.

أتوقع أننا بحاجة أكثر إلى احترام الآخر كأفراد وكمجتمعات وكعلوم ونتائج دراسات علمية، حتى نحظى بتقدير من يلتقط ما نقدمه ونطرحه، وحتى نبقى قريبين من دائرة احترام عقول بعضنا البعض.