ربما أصبحت أعداد المبتعثين السعوديين في العالم هي الأكثر، خصوصا إذا ما قارنّا أعدادهم بعدد سكان الدولة، وهذا في نظري أحد أهم المشاريع الاستراتيجية بالاستثمار في الإنسان نفسه، والذي كان من خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث.
وربما لا أكون مبالغا إذا قلت: إن هذا البرنامج بضخامته هو من أكبر المشاريع الإصلاحية التاريخية التي قد تحقق مستوى من التعليم والتأهيل بخطوات تسبق الزمن بإذن الله، خصوصا إذا أضفنا المشاركة الثقافية للشعوب الأخرى، والتي من خلالها نستفيد مما لدى الآخرين ونفهمهم بشكل أفضل.
ولكن؛ إذا نظرنا لبعض الصور المزعجة والتي بلا شك لا تحكم على كامل برنامج الابتعاث، إلا أنها تبقى مشكلات يجب تجاوزها، فعندما يرجع البعض بعد أن أمضى عدة سنوات في الدراسة وينتظر ذلك الشاب أن يبدأ بعمل يتوافق مع طموحه وأحلامه يتفاجأ بالواقع الذي ربما لا يحتاجه أو لا ينصفه!
ما أسباب هذه النتيجة؟
سأحاول في هذا المقال أن ألقي الضوء على بعض الأخطاء ومعالجاتها، وأرجو أن تكون مفيدة.
يعتقد بعض الإخوة أنه بمجرد ذهابه للخارج وحصوله على شهادة ما؛ فإن السوق سوف يبحث عنه بمجرد عودته، وأن حياته ستصبح شيئا آخر بمجرد انتهائه! هذه الفكرة البسيطة جعلت الكثير حتى يترك عمله ويذهب للابتعاث ظنا منه أن هذا هو الحل الوحيد لتحسين وضعه المعيشي.
ولكن عندما نأتي للواقع فإننا نجد الكثير من المبتعثين وخصوصا الموظفين لا يحسنون حتى اختيار التخصص الذي سيذهب من أجله، كما أن وزارة التعليم العالي -خصوصا في بدايات برنامج الابتعاث- لم تكن توجه المبتعثين في اختيار التخصص، فبدلا من أن يكون الابتعاث لأجل تغطية الاحتياج؛ أصبح الابتعاث لأجل الابتعاث ذاته! ووصل الأمر إلى أن بعض المبتعثين تحول هدفه لمجرد تغيير الجو والسياحة!
لم يكن الابتعاث يهتم بمدى التزام الطلاب بالدراسة ولا توافق مؤهل دراسة البكالوريوس مع الماجستير (بالنسبة للمبتعثين للدراسات العليا)، ولا أحصي الطلاب الذين كان تخصصهم في مجال والدراسة التي يدرسها في مجال آخر، وهو بهذا لن يحصل على هذا ولا هذا، وبلا شك فإنه عند عودته لن يحصل على العمل الذي كان يرجوه لتخبطه في اختيار التخصص، وللأسف مع عدم اهتمام وزارة التعليم العالي.
رأينا كثيرا من طلاب الابتعاث يعودون وهم حتى لا يتقنون اللغة التي درس بها! مما يُظهر بوضوح أنه لم يستفد كثيرا من دراسته، حيث وجدنا أن عددا ليس بالقليل من الطلاب هناك كان يعتمد على غيره بالكسل والغش في تقديم بحوثه وأعماله الجامعية! وللأسف أن هذا الكلام يقال حتى عن بعض الحاصلين على الدكتوراه من هناك!
ربما أن من الأيسر على الطلاب أن يتعلموا درجة من اللغة هنا حتى إذا ذهبوا هناك يكونون قد قطعوا شوطا لا بأس به من المهمة، وللأسف أن هذا تنص عليه اللائحة ولكن غالبا ما لا يطبق. نعم هناك الكثير ممن تمكنوا من تجاوز مرحلة اللغة ولكن أعتقد أن مرحلة اللغة قد تكون عائقا يستمر مع كثير من الطلاب خصوصا مع ضعف مستوى الجدية والمسؤولية لدى الكثير وللأسف.
من مشكلات البرنامج في نظري؛ التوسع في الابتعاث لدرجة الدكتوراه، لأن الوطن غالبا يحتاج إلى الطبقة المتوسطة في التعليم من حملة البكالوريوس والماجستير فقط، ولو قام البرنامج باعتماد طريقة أخرى أكثر عملية لكان أفضل، كأن يعتمد آلية للتدريب والتأهيل في المؤسسات العالمية المحترمة في تلك التخصصات، حتى لو كلفت الدولة وهذا أكثر جدوى بالنسبة للطلاب والدولة على حد سواء. فرجوع شباب وشابات متعلمين ومتدربين على العمل أفضل بكثير من شهادات ربما لا يوجد لها أي مجال في بلدنا!
أما ما يتعلق بابتعاث الجهات الحكومية؛ فإن الكثير يتساءل عن مدى حاجة تلك الأجهزة لتلك التخصصات التي تبتعث لها!
نشاهد بعض الجهات الميدانية التي تبتعث لتخصصات علمية أكاديمية مثلا، أو حتى تخصصات لا علاقة للجهاز بها! فضلا عن عدم حاجة تلك الأجهزة لدرجات علمية عالية كالدكتوراه التي غالبا ما لا يحتاجها فعلا سوى الجامعات والجهات البحثية، وفي النهاية غالبا ما تكون تلك المبالغ الطائلة التي تصرف على كل مبتعث مجرد هدر لأموال البلد، حتى بعد حصوله على الشهادة فإنه غالبا لا يُستفاد منه في مجال تخصصه الذي كثيرا ما يكون غير متدرب فيه أيضا، فهو قد حصل على تعليم أكاديمي وليس تأهيلا مهنيا.
في الختام؛ أرجو أن تعيد وزارة التعليم العالي استراتيجيتها في الابتعاث، وأن تعيد التفكير في الابتعاث المهني من خلال التأهيل المهني التخصصي وليس مجرد شهادات ورقية قد لا يستفيد منها البلد، وهذا لا يُقلل أبدا من الجهد الجبار الذي قامت وتقوم به وزارة التعليم العالي.