أعتقد جازما بأن مجتمعنا كان ولا يزال مجتمعا متجددا، مبنيا على نهج تقدمي في تعامله مع المتغيرات التي تحيطه، إلا أن عيبه الحقيقي يكمن في خوف الفرد الدائم من أن يكون المتقدم الذي يأخذ الخطوة الأولى المبادرة نحو التجديد والتغيير، وذلك خوفا من أن توجه إليه أصابع اللوم من الأغلبية غير المقتنعة بأهمية وضرورة التغيير، أو خوفه من أن يتصادم موقفه المعلن مع التفسير العام السائد لطبيعة التغيير المطلوب فيصبح هو ضحية وكبش فداء.
قد يضحك البعض من وصفي للمجتمع بأنه تقدمي وأنه متجدد، ومن المؤكد أنني لن ألومه على ضحكه وربما قهقهته تلك، فالنظرة العامة لمجتمعنا هي أنه (مجتمع محافظ منغلق يرفض التقدم والتطوير) وهي نظرة سائدة لها مبرراتها، إلا أني سأحاول فيما سأورده أن أدحض هذه النظرة التشاؤمية.
لم تواجه أغلبية المجتمعات في العالم مشكلة تذكر مع مسائل كتعليم المرأة أو الراديو أو القنوات الفضائية أو كاميرا الجوال والسيارة كآلة، فلم تعتبر المجتمعات تعليم المرأة فسادا لها ولم تر في الراديو أنه صوت الشيطان، ولم تتعامل مع الفضائيات على أنها غزو فكري إمبريالي أو جوال الكاميرا بأنه كاشف للعورات وفاضح للمحارم، فهو بالتالي لم يحتج أن يكون تقدميا من أجل أن يتعامل مع تلك المستجدات الاجتماعية كما كان حال مجتمعنا نحن الذي استطاع أن يتجاوز تردد وخوف الفرد فيه حيال تلك الأمور، وواجه الخوف وتقبل المتغيرات رغم التحديات والاعتراضات التي وصل بعضها إلى مستويات من التخوين والتكفير يعتبرها ابن هذا الزمان قصصا مضحكة من الخيال الثقافي أو من الأساطير الشعبية المبالغ فيها.
مجتمعنا الذي أكرر أنه تقدمي لن يقف مهما حاول البعض إيقافه ومنعه من أن يصبح جزءا من هذا العالم المتقدم، وأصحاب أجندات الهيمنة والوصاية الذين استفردوا لعقود عليهم أن يفهموا جيدا أن قوانين اللعبة قد تغيرت اليوم، وأن انفرادهم في تسيير المجتمع قد انتهى منذ أن انكشف للعقل الذي كان معطلا لعقود أن دعواتهم تلك لم تكن إلا من أجل العودة للماضي، وأن متطلبات المرحلة تحتاج اليوم من يبني المجتمع للمستقبل لا من يمنعه من التقدم من منطلقات الخوف والوصاية.. لذلك أقول إن تغيير إسلوبنا قادم لا محالة، لأن الحقوق لا يمكن أن تبقى إلى الأبد أسيرة صكوك غفرانكم.