"فلان مثقف وطني حقيقي" عبارة نقرأها ونسمعها كثيرا خصوصا في حفلات التكريم أو التأبين. وهنا يتبادر إلى الذهن عدة تساؤلات منها، ما المعيار في تصنيف المثقف في خانة "الوطني المخلص" أو عكسه؟ خصوصا وأن مجتمعنا يعاني أزمة مصطلحات ومفاهيم عامة رسختها في الأذهان قوائم التصنيف الثقافي والاجتماعي التي ظهرت فعليا في أوائل الثمانينات الميلادية وما زالت تعمل عملها حتى الآن، من خلال المحاضرات والبيانات والمواقع الإلكترونية. وقد شاهدنا كيف ثار الثائرون على عدد من المبدعين السعوديين الذين حصلوا على جوائز خارجية، بعد أن احتفى بهم الإعلام وبعض المؤسسات الثقافية ـ ولو على استحياء ـ بصفتهم مواطنين حققوا إنجازات مهمة في مجالهم الإبداعي، مما جعل الآخرين يكرمونهم في محافل دولية. فبعض الثائرين أخرجوا هؤلاء المثقفين من دائرة الوطنية، وشنعوا على من احتفى بهم، والسبب أنهم يرون أن أعمال هؤلاء المبدعين لا تتوافق مع رؤاهم الخاصة.
ولكي أحاول الإجابة على تساؤلي السابق حول معيار الوطنية بالنسبة للمثقف، يمكن الإشارة إلى أن الأمر ملتبس بعض الشيء في الأذهان. فالبعض يرى أن المثقف الوطني هو من يكتب القصائد التي تتحدث عن الوطن وإنجازاته وتطلعاته فقط، أو يكتب المقالات والأعمال السردية التي تتناول هذا الجانب. وبالطبع هؤلاء يُخرجون المثقف والمبدع الذي يرصد مآسي وسلبيات المجتمع، وقد يعتبرونه مسيئا لوطنه ومجتمعه، وبالتالي يخرج من دائرة الوطنية، وهم في الحقيقة قلة، ولكن صوتهم موجود ومؤثر في بعض الفئات الاجتماعية.
ونتيجة لهذه المواقف تجد أن بعض المبدعين والمثقفين في حالة تذمر دائم وشكوى من عدم الاهتمام بهم، وعدم تقدير إنتاجهم. حيث يبدؤون في مقارنة ما يحظى به أدباء وصلوا للعالمية من خلال تشريح واقع مجتمعاتهم، مع أوضاع المثقف المحلي التي يرون أنها غير مشجعة على الإبداع والإنتاج.
ولكي نكون منصفين، فالحق أن المساءلة ترجع إلى ثقافة اجتماعية عامة، لا تتحمل وزرها المؤسسات الرسمية وحدها، بل إن المجتمع الذي لا يقرأ ولا يهتم إلا بالمنتج الاستهلاكي، السبب الأول في هذه الحالة. وبالتالي فحاجتنا الأساسية لتغيير هذا الواقع تبدأ من خلال برامج وطنية جادة، تركز على تعزيز ثقافة الانتماء للمكان سواء المحيط الصغير أو الوطن الكبير، وتزرع في الأجيال الجديدة مفاهيم واضحة حول الهوية الوطنية، تجعل هذه الهوية المقياس الأول في الحكم على الآخرين ومدى وطنيتهم بعيدا عن التقسيم الفكري أو الاجتماعي. بل لو كانت هناك عقوبات مقننة ـ على غرار عقوبات الاجتراء على الفتوى ـ ضد من يشكك في وطنية آخر سواء كان مبدعا أو غيره دون دليل، وجعل المحاكم والقانون هما المرجع الأول في تقدير الأمر، لاختفت ظاهرة التصنيف والتنابز بالألقاب التي نشهدها بكل أسف في ساحتنا الثقافية.