كلنا شاهدنا جدار برلين وهو يتهاوى عام 1989، ثم شاهدنا برجي التجارة وهما يتساقطان عام 2001، وكأننا نشاهد أحد أفلام هوليوود الشهيرة. ولكن هل كنا ندرك أن العالم سيتغير بعد هاتين الحادثتين؟! وهل هناك يوم ثالث سيغير وجه العالم أيضا؟ اليوم الأول هو: سقوط جدار برلين.
قبل سقوط جدار برلين كان العالم يحيا في توازن بين كتلتين، الكل يعرف ثقليهما، ولكن الجدر تهاوت، وأصبحت بعدها الانقسامات في الاتحاد السوفيتي، والتي أوقد نارها الإعلام الغربي، مما كان عاملاً فى تقويض هذا المارد الذي ما كان أن يقوض لولا عدة عوامل، منها:
أ. القوى المحافظة المناهضة لـ"جورباتشوف": حيث أكد جورباتشوف على أن توقف عملية الإصلاح سيؤدي إلى كارثة محققة، وأن الإصلاحات ستجعل من الاتحاد السوفييتي أكثر دول العالم ديموقراطية.
ب. مشكلات القوميات: التي نجحت أجهزة الإعلام الغربية في استثارتها، مثل دول البلطيق أو مشكلة عودة التتار إلى القرم، أو مشكلات القومية الدينية في مولدوفيا وغيرها.
ج. المشكلة اليهودية: التي ترتبط بقضية حقوق الإنسان، وقد اتخذ السوفييت موقفا مرنا بالإفراج عن المنشقين وتخفيف قيود الهجرة أو الحصول على الجنسية المزدوجة.
د. دول أوروبا الشرقية: وتمثلت ضغوطها في الرغبة بالانفتاح تجاه الغرب، وهو ما أدى إلى صحوة التيار القومي، ودور الكنيسة بصفتها مركزاً للمقاومة الأيديولوجية والمبادئ التي قام عليها الموقف السوفييتي إزاء أوروبا، وكان إقرار استقلال الأحزاب الشيوعية الأوروبية وحقها السيادي ومسؤوليتها عن معالجة مشاكلها. كما كان لمعاهدة جورباتشوف الشهيرة الأثر الأكبر، بالإضافة إلى الضغط الأميركي.
فلم يكن انتشار الدبابات والمدرعات في شوارع موسكو بعد إعلان حالة الطوارئ إثر مرض ألمَ بميخائيل جورباتشوف إلا ذريعة لقياديي الحزب الشيوعي وغيرهم من المسؤولين السياسيين لإعلان لجنة الدولة للطوارئ، التي اعتبرت أن جورباتشوف يقود البلاد للهاوية. وكانت المحطة الحاسمة حيث تم تعليق صلاحيات جورباتشوف كرئيس للبلاد. ثم إعلان يلتسن مشروع البرسترويكا الذي أثار جدلا واسعا من القياديين والسياسيين، وتوالت الأحداث التي أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991.
إن انهيار جدار برلين لم يكن مؤثرا في الدائرة المحيطة فحسب؛ بقدر ما أثر في إعادة تشكيل العالم، فبسقوطه أصبحت العولمة فى دائرة التنفيذ والنفوذ، وبدا للعالم أن سيادة القطب الواحد أصبحت ممكنة، بعدما كان التوازن العالمي يسير من خلال كتلتين كبيرتين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.
وكان لليوم الثاني أثره في تقلب أمواج المحيط العالمي، واهتزاز كثير من العروش والمؤسسات، وهو حادث الحادي عشر من سبتمبر.
حيث حدقت مُقَل العالم وجحظت الأبصار في شاشات التلفزة، وهي ترى برجي التجارة العالمية يتهاويان أمام العالم في كارثة سياسية وبشرية وإنسانية أذهلت العالم. حينها أطلق الرئيس دبليو بوش كلمته الشهيرة: "من هو موافق لنا فهو معنا ومن اختلف معنا فهو ضدنا".. لا سيما أن أميركا أصبحت اللاعب الأكبر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
فاعتبرت السياسة الأميركية أنه لا بد من إعلان الحرب على ما أسمته الإرهاب؛ فأدت هذه التغيرات إلى الحرب على أفغانستان وسقوط حزب طالبان، والحرب على العراق وسقوط حكم صدام حسين، بعدما أعلنت الولايات المتحدة بعد 11 ساعة من أحداث سبتمبر، أن أصابع الاتهام تتجه إلى تنظيم القاعدة وزعيمها بن لادن والذي قُتل في يوم الاثنين 2/مايو/2011 في مدينة أبوت آباد.
أما اليوم الثالث والمهم فهو ثورة الثلاثين من يونيو والمكملة لثورة الخامس والعشرين من يناير بمصر. ولعلنا نقف كثيرا ونتأمل في ثورة الثلاثين من يونيو، كيف تجسدت ومن أين نبعت وكيف أثرت؟ والتي نقول إن جاز التعبير، إنها اليوم الثالث من تلك الأيام الثلاثة، والتي تبعا لها، يتم ترتيب العالم من جديد.
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو كغيرها من الثورات العربية، بأن يُنزع أو يُقصى حاكم ويؤتى بآخر، بقدر ما كانت محور ربط وانفصام في العلاقات الدولية؛ حيث تطفو بعدها دول وتتراجع أخر. وتتراجع نظرية العولمة إلى الوراء والتي هي الرامية إلى محو الهوية والقومية وموت الجغرافيا، في سبيل أن يحيا الانسان فردا في العالم، ثم تتسيد سياسة رأس المال المسيطرة على السوق العالمي في نهاية المطاف!
يبدو أن نظرية العولمة لم تكن قد نضجت بعد، وأن إناء الفخار لم يدخل الفرن بعد، ليكتسب تلك الصلابة. فقد تكلمنا كثيراً عن مساوئ العولمة ومحاسنها، وكنا شديدي القلق على الهوية التي تسعى العولمة لمسخها والاعتماد على أن الهوية حسب المنتج في آخر الأمر. لكن العرب كانوا عِصيا عليها، لأن هويتهم وقوميتهم كانتا أكبر من دعوات فريدرك وأنديك وتوماس وغيرهم؛ فتجلت الهوية والقومية والعروبة بشكل عام في الثلاثين من يونيو، وظهر النسيج العربي وكأنه لم يبتلع كبسولة منظري تلك الفلسفة. ومن هنا كانت ثورة الثلاثين من يونيو، هي من قلبت الموازين في فلسفات كادت أن تتسرب، إلا أن التاريخ العربي كان جموحاً عليها، بالرغم من أولى خطوات المسخ التي تمرق من تدمير المكتبات العربية وتدمير المتاحف، وحرق الكتب والمكتبات والمخطوطات.
فيتجلى التوازن للمرة الأخرى، في ظهور الصين واليابان وروسيا على الساحة إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، فيتغير وجه العالم للمرة الثالثة.