الفشل الكلوي من الأمراض التي تهدّد حياة الكثيرين في السعودية وتنغّص استقرار وطمأنينة ملايين الناس من حولهم بعد أن اتسع انتشاره بصورة متسارعة بلغت 9% سنوياً. وهذا الواقع بات مصدر إزعاج لكل المعنيين بالصحة العامة ويدعو الكل إلى التحرك في اتجاه تحصيل أسباب الوقاية لمن سلمه الله، وتوفير العلاج والرعاية لمن ابتلي بهذا الداء.. وتشير بعض المعلومات إلى أن هذا المرض قد يهدد حياة أكثر من مليون ونصف المليون إنسان في المملكة خلال السنوات القريبة المقبلة. وفي دراسة ميدانيّة قامت بها وزارة الصحة بالتعاون مع جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي تبين أنّ مرض السكّر وضغط الدم هما السببان الرئيسيان لهذا المرض. وتشير دراسة أخرى إلى أن 56% من المرضى لم يكونوا يعلمون أنهم مصابون بمرض السكّر، الأمر الذي يجعل الفحص المبكر المستمر عاملاً مهماً في الوقاية والمساعدة على التعامل مع المرض في مراحله الأولى.
ويعاني مرضى الفشل الكلوي الكثير من المصاعب، يأتي في مقدمتها قلة المتبرعين بالأعضاء خارج إطار الأسرة، وحتى داخل النطاق الأسري والقرابات هناك تردّد ملحوظ في التبرع نتيجة لنقص الثقافة الصحية وعدم معرفة أنّ الإنسان يستطيع أن يعيش بكلية واحدة مدى الحياة بصورة طبيعية دون أن تتأثر جميع قدراته. وهذا أمر يحتاج إلى حملة عامة تثقف الناس وتشرح لهم متطلبات التعايش مع الفشل الكلوى وتوضّح لهم حقيقة المرض طبيا مع التأكيد على أن الزراعة هي العلاج الحقيقي لمريض الفشل الكلوي وما عداها يعد علاجاً مؤقتاً يساعد على بقاء الإنسان في وضع يمكنه من انتظار العلاج الأساسي.. ويتم في المملكة – حسب المعلومات المتاحة – زراعة حوالي 400 حالة سنوياً، وهذا العدد مرشح للزيادة بشكل كبير نتيجة لنشر الوعي وزيادة التبرع بالأعضاء. ومن أهم ما يعاني منه مرضى الفشل الكلوي، إلى جانب نقص التبرع بالأعضاء، نقص الأجهزة الكافية للغسيل وتباعد المواعيد وصعوبة التنقلات إلى مواقع العلاج بالنسبة للذين يبعدون عن المراكز الرئيسية، خاصة الذين يسكنون في القرى والمدن الصغيرة. وهناك العديد من الجهات الرسمية والجمعيات الخيرية التي تقوم بجهود مشكورة لمساعدة هذه الفئة من المرضى- ومن فضل الله – أن إمكاناتهم في تنام مضطرد ونشاطاتهم في توسع دائما عاماً بعد عام، نتيجة للدعم الذي يلقونه والتفاف الناس من حولهم وتقديرهم للجهود الخيرة التي يقومون بها نيابة عن المجتمع عامة.
وفي مقدمة الجهات الأهلية العاملة في هذا المجال الحيوي جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي، فهي تعمل مع الجميع وفق خطط مدروسة وبرامج علمية تهدف إلى استثمار كل الطاقات والتعاون مع جميع المهتمين، مؤسسات وشركات وأفرادا. وتغطي برامج الجمعية التوعية وتحسين الخدمات الصحية المقدمة إلى هذه الفئة من المرضى.. وقد بدأ برنامجها التجريبي عام 1428هـ ضمن خطة متكاملة تتضمن برامج مستندة على مسوحات شاملة لأوضاع مرضى الفشل الكلوي ومراكز غسيل الكلى المتوفرة في المملكة.. وقد وفرت الجمعية معلومات وحقائق عن واقع هذا المرض وانتشاره وظروف المصابين به ومتطلبات مواجهة آثاره. ومن ذلك، أن الكثيرين من مرضى الفشل الكلوي لا يملكون تكاليف الغسيل ولا قيمة الأدوية ويعانون مصاعب حقيقية ومؤلمة نتيجة لمشاكل النقل من حيث التكاليف والنقص والصعوبات، ويضاعف من متاعبهم أن مراكز الغسيل في المستشفيات الحكومية لا تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة، ولأن بعض المرضى لا تنطبق عليهم شروط العلاج في تلك المراكز الأمر الذي أطال مدد الانتظار.. ومريض الفشل الكلوي يحتاج إلى: تأمين خدمة الغسيل بواقع ثلاث إلى أربع مرات أسبوعياً مع توفير الأدوية الأساسية التي يتعاطاها قبل وأثناء وبعد جلسات الغسيل، كما يحتاج إلى إجراء فحوصات دورية (أسبوعية – شهرية – سنوية) وتوفير الأدوية اللازمة لحالات الطوارئ التي قد تحدث أثناء جلسات الغسيل. وتشير أرقام الجمعية إلى أنّه في عام 1428هـ كان يوجد في المملكة 9400 مريض فشل كلوي، مما زاد من الزحام على المراكز الحكومية.. كل هذه الحقائق دفعت القائمين على الجمعيات إلى تبني برامج لمساعدة هذه الفئة من المرضى التي تحتاج إلى العون. ويخدم البرنامج الذي تبنته الجمعية – منذ انطلاقه في جمادى الآخرة هذا العام حوالي 700 مريض، بتكلفة أكثر من ثمانين مليون ريال، حيث إن المريض بالفشل الكلوي يحتاج إلى 115 ألف ريال سنوياً. وهذا المشروع الخيري، الذي يخدم فئة من المرضى في حاجة ماسة إلى المساعدة، لن يتمكن من تحقيق أهدافه وتطويره خدماته وتوسيع دائرتها إذا لم يلق الدعم والمساندة من المجتمع كله، مؤسسات وأفرادا، فهو يقوم على مبدأ "التعاون على البر" الذي هو من خصائص وسمات المجتمعات الإنسانية المتحضرة التي تدرك خطورة تعرض بعض أفرادها إلى إنهاك الأمراض دون تلقي العلاج.. ومجتمعنا – ولله الحمد – تسوده روح التعاطف النابعة من مبادئ دينه ومن قيمه.. ولأن الجمعية تدرك أن الناس في حاجة إلى مساعدتهم على إيجاد الوسائل العملية التي تسهل وصول صدقاتهم إلى مستحقيها فقد أبرمت اتفاقية مع شركة الاتصالات السعودية لتلقي التبرعات من خلال الاتصال ببعض الأرقام، وهي تخطط لتوقيع اتفاقيات مشابهة مع المشغلين الآخرين (موبايلي – زين).
وهذه دعوة إلى الخيّرين وأصحاب القلوب الرحيمة والموفقين من أهل المال، في هذا الشهر الكريم، للتبرّع لهذا المشروع الخيري حتى تستطيع الجمعية أن تستوعب مرضى الفشل الكلوي الذين لم تتمكّن من استيعابهم في البرامج السابقة.
شفى الله المرضى ووقى الأصحاء وحمى الجميع من كل مكروه وبارك لأهل الفضل فيما أعطى..