الإبداع الفني هو ـ في كثير من الأحيان ـ ثمرة لعلاقة حوارية بين مبدعين. تاريخ الفنون الجماعية كالمسرح والسينما والأغاني مملوء بحالات كثيرة من هذا النوع. الأخوان رحباني وفيروز نموذج على هذا الابداع في الموسيقى والغناء. في الكوميديا لدينا أعمال حسين عبدالرضا وسعد الفرج وخالد النفيسي، سعاد عبدالله وحياة الفهد، ناصر القصبي وعبدالله السدحان، وأمثلة كثيرة جدا تعبّر عن أعمال فنيّة ولدت في المساحة البينية التي أوجدها الحوار والعلاقة الصحيّة. في الأدب أيضا لدينا أعمال عبدالرحمن منيف وجبرا.

في هذا المقال، أقدم أنموذجا حديثا من السينما العالمية. تحديدا أتحدث عن علاقة الممثل الصاعد بقوّة ليوناردو دي كابريو و المخرج العريق مارتن سكورسيزي. نجمان كبيران في سماء التمثيل والإخراج الهوليودية. في السينما كما في كل المجالات الفنية الأخرى هناك علاقات استثنائية بين الفنانين تنتج أعمالا في غاية الإتقان والروعة. ملحن وفنان، فنان وشاعر ، مخرج ممثل..الخ. هذه العلاقات تستحق المتابعة والتحليل. لدينا هنا علاقة بين المخرج الأميركي الكبير مارتن سكورسيزي، الفائز بالأوسكار وعدد كبير من الجوائز المختلفة والذي يحتل برأيي مع ستيف سبيلبرغ قمة المخرجين اليوم. كما لدينا من الجهة الأخرى ليوناردو دي كابريو المرشح لأكثر من جائزة بالأوسكار والنجم الجماهيري الاستثنائي وبطل فلم التايتنك الشهير. لدينا أربعة أفلام رائعة جمعت هذين النجمين (THE DEPARTED,THE AVIATOR,GANGS OF NEW YORK AND SHUTTER ISLAND)

من المعروف أن أفلام سكورسيزي أفلام عميقة، وهي ـ في الغالب ـ تلقي الضوء على حالات حادة في الشخصية الإنسانية، حالات متوترة وفي غاية الانفعال. مع سكورسيزي لدينا أفلام ذات قدرة على تصوير حالات في غاية التعقيد والحدة. في واحد من أفلامه الأخيرة (جزيرة شاتر Shutter Island2010) يدخل بنا سكورسيزي في عمق شخصية مضطربة نفسيا تعيش انفصاما حادا في الشخصية. استطاع المخرج أن يجعل المشاهد جزءا من الحدث أكثر من كونه مراقبا محايدا. سكورسيزي لا يعتمد على وسامة الممثل ولا يقدم قصصا رومانسية كلاسيكية، ولكننا هنا نجده في رابطة قوية مع أحد أكثر الممثلين وسامة دي كابريو؟ ما الذي ربط الاثنين باعتبار أن العلاقة التقليدية مستبعدة هنا؟ برأيي أن هناك عاملا مشتركا قويا بين الاثنين؛ وهو القدرة على التعبير عن الانفعال البشري... القدرة على التعبير عن التوتر والقلق والاضطراب، القدرة على تقديم الإنسان في حالات تعبيراته المتأججة، التعبيرات هنا ليست الرومانسية التقليدية، بل خليط من الانفعالات الحادة والخطيرة. في (عصابات نيويورك2002) يختار سكورسيزي إحدى أكثر لحظات نيويورك الحرجة في نهاية القرن التاسع عشر، لحظة المظاهرات والاحتجاجات والحرب الأهلية الأميركية ثم يختار في اللحظة ذاتها شخصية حادة أيضا، وهو ابن لأحد قادة العصابات في المدينة يرى والده يقتل أمامه ويعمل على الانتقام له. كما نجد أيضا في فلم (الطيّار2004) ذلك الطيّار المهووس والمغامر حدّ المرض بالطيران وتحقيق المعجزات. كل هذه الشخصيات تحتاج إلى ممثل مختلف. ممثل قادر على التوتر حتى أعلى درجاته. دي كابريو هنا يظهر كضالّة سكورسيزي المنشودة، نجم قادر على التعبير الحاد والمتوتر. ممثل قادر على توتير المشاهد معه، قادر على جذبه معه. دي كابريو يمتلك تعبيرات وجه دقيقة ونظرات حادة وانفعالات دقيقة، كما أنه يملك بنية جسدية تعطيه القدرة على القيام بمشاهد الحركة باقتدار. مع هذا الثنائي نستعيد ذكرى سكورسيزي نفسه مع روبيرتو دي نيرو في أفلام (سائق التكسي1976) وكازينو(1995) وقود فالاس(1990).. الأفلام التي لا تزال عالقة في الأذهان وتعد نماذج لعلاقات الفن الاستثنائية.

العلاقات الاستثنائية هنا تقوم على تحقيق إنجازين جوهريين هما: أولا؛ إنتاج عمل جماعي رائع، وثانيا؛ إبقاء الطابع الفردي الشخصي لكل الأطراف. هذه معادلة دقيقة. ما يحدث كثيرا هو سيطرة طرف على طرف، أو أن يُنتج عمل جماعي تختفي فيه الأدوار الشخصية وتمايزاتها. نعود ـ هنا ـ إلى أننا أمام حالة من الحوار الفني الذي يمكن فهمه من خلال شبكة العلاقات بين الأفراد وحضور هذه السلطة بينهم. أذكر في هذا السياق لقاء تلفزيونيا مع النجم السينمائي آل باتشينو، وكان السؤال حول علاقته مع المخرجين. يعلم الكثير أن نجما بحجم آل يمكن أن تطغى سلطته على المخرج بسهولة ويقوم بعمل ما يريده بغض النظر عن رأي المخرج. نرى هذه الحالة في كثير من الأعمال العربية. يقول آل: لا أستطيع العمل مع مخرج يقول لي تصرّف في المشهد بحرّيتك وكما تشاء يا آل. أحب العمل مع المخرج الذي يجيد عمله ويقول لي بالضبط تصوّره للمشهد وماذا يريد منّي أن أعمل بشكل واضح ودقيق. إذا كان لدي اعتراض ـ يكمل آل ـ تحدثت مع المخرج حوله. ما يرسمه آل هنا هو صورة احترافية لطبيعة العلاقات المثمرة فنيا. الكل يقوم بعمله بشكل دقيق وواضح بدون سلطة غالبة من أحد على البقية، وفي حال الاختلاف على قضية معيّنة، فإن الحوار والحديث حولها هو الطريق الذي يجب أن يسلكه الجميع. هذا النوع من الأعمال يسمح للجميع بالظهور، إنه بوابه للإشعاع، في المقابل الأعمال التي تسيطر عليها روح الفرض والجبر تحجب المشاركين فيها وتعزل وجودهم الحقيقي عن متابعيهم.