أصر الجميع في رحلة إلى باريس - قلب فرنسا - على أن تكون برية، مخترقين الريف الفرنسي الجميل، وبالرغم من أن المسافة تزيد عن 500 كيلومتر من مدينة لاهاي في هولندا، إلى عاصمة فرنسا، إلا أن الجميع كان على استعداد لها.
الأرصاد الجوية أشارت إلى أن الطقس ممطر وأن درجة الحرارة ستكون منخفضة بالرغم من إننا في بداية شهر أكتوبر لكن هذه أجواء أوروبا، دائماً متقلبة، وتميل إلى البرودة.
حزمنا حقائب السفر وانطلقنا من لاهاي مروراً بمدينة انتروب البلجيكية ثم العاصمة بروكسل وبعدها بدأنا في اختراق الريف الفرنسي الجميل حيث مساحات شاسعة للقرى والمدن الفرنسية الجميلة.
اللافت للنظر كثرة المقابر الجماعية التى يعلوها العلم الفرنسي، وهي للجنود الفرنسيين الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية.
تعد فرنسا أكبر دولة استعمارية دفعت الثمن خلال حربها ضد الألمان، لقد خسرت الكثير من رجالها.. كان الهجوم عليها بقوة وضراوة حتى إن الألمان تغلغلوا في قلب العاصمة باريس.
وعودة إلى رحلتنا البرية، فقد كانت الأمطار تنزل بغزارة.. وهذا ما يجعل الزراعة أحد أهم مصادر الدخل في فرنسا.. هناك مزارع البطاطس والذرة وهما الزراعتان اللتان اشتهرت بهما فرنسا وتنتشر على جانبي الطريق .
وبالرغم من جمال وسحر فرنسا، إلا أنني شاهدت تقريراً في إحدى القنوات العربية يتحدث عن هروب المتقاعدين الفرنسيين للعيش في المغرب، الدولة العربية المسلمة الهادئة، خاصة في مدينة ديار شمسي لقربها وهدوئها وجمالها وسحرها الذي أسر الفرنسيين فتركوا جمال بلادهم التى أكلتها الضرائب والحياة المادية الجافة فسرقت كل مميزاتها.
الرحلة البرية انتهت بنا إلى باريس حيث عرفت بأنها "مدينة النور (la Ville Lumière) ففي عام 1828 كانت أول مدينة في أوروبا تضاء طرقاتها بمصابيح تعمل بالكيروسين، وتعد باريس ميناء نهريا مهما جداً يقع على نهر السين، وهي رابع أهم ميناء فرنسي بعد مرسيليا، والهافر، ودن كرك.
يرى كثير من الناس الذين يقطنون في باريس أن بريقها قد خفت، ولم تعد تلك المدينة الساحرة، هذه نظرة أهلها الأصليين.. إنها مدينة غير آمنة يركض سكانها من أجل لقمة العيش، غزاها المتسولون والمهاجرون ولكن حين ترى السياح وكثافتهم من كل بقاع الأرض ستثق أن سحر باريس لم يخفت، على أقل تقدير بالنسبة لأولئك الذين يسيحون بها ويتأملون كل تفاصيلها حتى الأزقة في وسط المدينة لا تخلو منهم، وقد صرحت الوزيرة المفوّضة المكلّفة بالفرنسيين في الخارج هيلين كونوي: (إن السياح السعوديين القادمين إلى وطنها ازدادوا بعد قرار منع النقاب الذي ذكرت أنه اقتصر على المدارس).
في باريس، كثير من الأماكن التي يجب أن تزوروها، متحف اللوفر.. برج أيفل.. يورو ديزني ولن ننسى متحف الشمع ومتحف معهد العالم الإسلامي والكثير الكثير من المتاحف والمعالم السياحية. ولن أنسى الحديث عن معهد العالم العربي، وهو صرح حضاري ثقافي نفتخر بوجوده في باريس، وهو الذي احتفل في نهاية 2012 بمرور خمسة وعشرين عاماً على إنشائه، ويزداد فخرنا أن بنت الوطن منى خزندار هي المدير العام للمعهد..هذا المعهد الذي أخذ على عاتقة التواصل بين الثقافتين الفرنسية والعربية.
وإن كنتم من هواة التسوق والسهر، فستجدون ضالتكم في مدينة المطاعم والمقاهي وساعات الليلة المتأخرة لأن باريس تسهر على أنغام الموسيقى.. لكن ينتشر في طرقاتها المتشردون ومافيا التسول القادمة من أوروبا الشرقية، وهذا ما جعل الأثيوبية الأصل من يهود الفلاشا الفرنسية الجنسية التى قابلتها بالصدفة وتحدثت معها عن مدينتها، تفكر بالرحيل عن هذه المدينة الجميلة "باريس" وبلا رجعة.
لا أحد ينكر أن الفرنسيين اقتنوا الكثير من آثار العالم، ولن أقول سرقوها وإن كانت هي الكلمة الأدق.. فالمسلة المصرية الشامخة في نهاية شارع الشانزلزية تشهد على ذلك وهي مثار خلاف بين المصريين المطالبين بإعادتها، والذين يصرون على الاحتفاظ بها.
الحديث لا يكفي عن باريس، العاصمة الفرنسية الباهرة التي غزاها كثير من هواة الأزياء والفنون والطهاة ليتعلموا منها الكثير.. كما غزاها هتلر وحطم كثيراً من جمالها.
في الختام: باريس هي باريس.. وتستحق زيارتكم لها.