لو حاول أحدهم أن يشرح قبل 300 سنة للمحيطين به أن هناك جهازا مصنوعا من مواد تتكون من عصارة الأرض اسمه الهاتف يستطيعون من خلاله التحدث مع أشخاص آخرين في مواقع أخرى من الأرض، لقال الجميع إنه يتحدث عن الحمام الزاجل، وإن حاول ذلك الشخص أن يفهمهم بأن ذلك الجهاز المصنوع ليس بحمام زاجل و أنه لا يتلاعب بهم عبر الكلمات وبالخيالات ليضللهم بل يتحدث عن اختراع حقيقي ينقل عبر ذبذبات غير مرئية صوت الإنسان ليستمع له شخص آخر في مكان آخر لاستمر الجميع في وصف ذلك الجهاز بالحمام الزاجل!
يقال بأن الأفكار المجردة لا يمكن أن يفهمها إلا المتنورون، وأن الإنسان البسيط لا يستطيع أن يستوعب تلك الأفكار أو المعاني إلا عبر التشبيه و ضرب الأمثلة له وذلك لتقريب المعنى لتفكيره المحدود، فقد اعتاد على تصديق وفهم واستيعاب الأمور التي تتلمسها فطرته الإنسانية؛ حيث إنه لم يربَ أو يؤهل لأن يفكر خارج الصندوق أو أن يسبح في الخيال وأن يحاول أن يتصور المستحيل باعتباره حجر الأساس لكل واقع مستقبلي سيتحقق.
في مجتمعاتنا كذلك نجد أن عقلية الحمام الزاجل لا زالت هي الغالبة في تعاطي الكثيرين مع الأفكار والرؤى المستقبلية لما يجب أن يصل إليه مجتمعهم، فالقول بأن الفرد يجب أن يكون له قيمة باعتباره فردا لا باعتباره جزءا من جماعة، يراه هؤلاء بأنه دعوة للخروج عن الجماعة رغم أن قوة الفرد باعتباره فردا هي الطريق الوحيد لتأسيس مجتمع جماعي تستند قوته من كل مكوناته الفردية القوية.
هناك مقوله شعبية تقول "أقول له ثور، يقول لي احلبه" فمهما حاول أحدهم أن يقنع الآخر أن الخطر الذي يخاف حدوثه بعد إحداث التغير لن يحدث، وذلك عبر تقديم إثباتات من التاريخ وضرب الأمثلة له وتقديم مقارنات تتناسب مع تفكيره المحدود، ستجد ذلك الآخر يستمر بتسمية الأمور بأنها حمام، باعتباره الوحيد الناقل للرسائل، وأن الزاجل هو فقط الحمام.
لا بد لي أن أعترف بأن هناك واجبا أخلاقيا وإنسانيا يجب أن يقوم به المجتمع تجاه بعضه، وذلك بالعمل على الارتقاء بذاته من مستوى الفهم بالأمثلة لمستوى فهم الأفكار المجردة، فالتعليم الأولي عليه واجب العمل على تحريك ملكة الفهم على حساب عادة الحفظ التي تخلق لنا في الغالب ببغاوات تتعاطف بطبيعتها الفكرية مع حمامها الزاجل، فترفض النظر لأي شيء إلا باعتباره حماما، وتعمل على بقاء الحال كما هو، رافضة التحول 300 سنة للإمام لتدخل في عالم اليوم.