هذا الصراع السياسي بنطاقاته الداخلية القطرية أو بما تفصح عنه علاقات الأنظمة العربية ببعضها من مكر وبلاهات؛ زهو خادع, الصراع بين ندامى الحكام وحظائر القوى الطفيلية المنتعشة على تخوم اليباب.. صراع الإسقاط المريض لعقد الدونية وعوالم اللامعيارية، ماذا يساوي في ميزان المعنى وكم نسبة ما يذهب منه إلى محرقة النسيان قياساً بآثاره الإيجابية التي يضعها التاريخ على قائمة استشهاداته الرمزية للحضارات ومدونات نشوء الدول وأفول الفقاعات من محدثاتها.
الحياة برمتها لا تعدو أن تكون سجلاً تتعاقب عليه أمم وحضارات وأجيال ليدون كل منها بصمته، لكن غربال التاريخ أضيق من خرم إبرة أمام الكم الهائل من خثر السياسة، وأوسع من مدارات الأفلاك تجاه الأثر الثقافي والقيمة المعرفية التي تحقق الذات الإبداعية للإنسان.
على سفر التاريخ نشأت حضارات، وفي ثناياه علقت تفاصيل عابرة عن فتوحات خاضها زعماء ومصلحون وأمراء وقادة حروب بيد أن التاريخ ركنها على هوامشه بينما ظلت الثقافة أبرز المرويات المتوالية على متنه الأثير.
لست أدري حجم الفاقد من رصيد التجارب السياسية للدول لو لم تش حقبها بباقة من مفكرين وهبوا البشرية نتاجهم الإبداعي؟ ولست أدري أيضاً ماذا كان التاريخ ليكتب عن (اليونان) لو لم يكن سقراط، أرسطو، أفلاطون، طاليس، بارمنيدس، هرقليطس، ملح هذه الحضارة وعقدها المرصع بالحكمة، وما أدريه ويمكن التأكد منه أن سيف الدولة الحمداني دخل التاريخ خلسة بفضل ملكات المتنبي..!
ترى هل يدرك النظام السياسي العربي أهمية الثقافة ودورها البالغ في إنجاز المعنى الوجودي الذي عجزت السياسة عن إنجازه، وأخفقت دورات الصراع عن بلوغ مُثلٍ يبلور مفاصلاتها على أنموذج - أو إيقاع قيمي مضطرد - يعفي المشتغلين في الحقل الثقافي العربي من استهلاك قدراتهم خارج المعنى الحقيقي لروح الأمة وتجلياتها الإبداعية المؤهلة لشغل حيز معقول في متون التاريخ؟
يتطلب الأمر إرادة سياسية عربية تجللها رؤية عصرية منفتحة.. فمن أي مسامات الجسد المترهل ستتفصد مثل هذه الإرادة ويجلو الاستشعار اليقظ تلك الرؤية.. ومع أي الأنظمة العربية تلوح مهادات الحلم؟
ذلك أن المشروع الثقافي العربي تلزمه إرادة متحررة من الارتهان للهيمنة الخارجية، إرادة عليا تنبع محدداتها من قناعة عميقة بالحرية كمناخ عام يخصب عطاءات العقل ويزيل الغشاوة من العيون ويزيح كوابح التمنطق الأصولي في مواجهة أغراض السياسة، وذلك ما نستشفه -أو بالأحرى ما يتراءى لنا- في سياسات المملكة سواء على صعيد الإصلاحات الداخلية المتصلة بالتعليم والبحث العلمي ومشاركة المرأة أم على مستوى توجهاتها الخارجية بدءاً بالموقف من التحديات الهامة للشعب المصري والإسناد الصادق للقيادة اليمنية ووقوفا مهيباً أمام اعتذارها عن عضوية مجلس الأمن، وهذا الأخير يتعين البناء عليه في بناء منظومات الإحياء الثقافي لأمة تكاد تأخذ فرصتها للامتلاء بعد خواء أفرغها من يقينياتها الحضارية وجعل منها أداة طيعة في متناول القوى الكبرى.
كثيراً ما كانت لنا وجهة نظر أخرى إزاء سياسات المملكة، لكنها اليوم تجبرنا على الاعتراف بأن متغيرات مفصلية جرت - في غضون فترة قصيرة من زمن الاستخذاء والضعف - ولا نملك غير الاعتداد بها، لا على طريقة المنبهر الساذج ولكن برؤية الإنسان العربي المتعطش للحظة فارقة طال أمد انتظارها وحان وعد الانتقال بها من أعلى الهرم إلى أدناه ريثما يكتسب القرار السياسي العربي قيمته الجوهرية ويؤدي وظيفته في خدمة المعرفة! معرفة من نحن؟ وما تمثله طاقاتنا التكاملية؟ وماذا نريد؟
في تاريخنا المعاصر خيبات جرى التشاغل عن بحثها، فقد حاولت المعرفة استقطاب الحقبة النفطية نحو مشروع ماريشال نهضوي اقتصادي تنويري، يجمع بين وفرة الخليج وسلة غذاء السودان ومدنية مصر ودول المغرب وحضارة اليمن وروح المقاومة في سورية ولبنان، ويجعل من احتشاد مقوماتها المفككة أساسا لنهوض الأمة وإعادة تقديمها للعالم، وقد ظلت الفكرة قيد المراجعة والتردد.. على حين كان العقل الاستعماري وأدواته في المنطقة العربية حاضرا بكل قوته ومتحفزا لإسقاط الحلم، وقد كان.
هل بوسع الذكريات المتعثرة معاودة النبض؟ لا ريب أن الثقافة بشمولية رسالتها وتضافر حقولها وتنوع جبهاتها تشكل حجر الزاوية في مضمار التنمية البشرية، إذ تعنى ببناء الإنسان واستثمار قدرات الأمة وتوجيه مساراتها وتصويب الخيارات الكلية المحققة لأهدافها، ومتى كان ذلك ممكناً تغدو عضويتها في المحافل الدولية أقرب إلى تجسيد المعنى منها إلى رغبة القوى الدولية الحريصة على تسمين الفرائس؟
اليمنيون مثلاً ذاقوا مرارة الاحتفاء الكيدي الذي يرافق العضوية البروتوكولية (غير الدائمة) في مجلس الأمن! ودروس السياسة لا تخلو من فوائد محققة توفرها تجارب البشر ضمن أمثلة الرواية التاريخية.
سوف أسأل.. كم قمما عربية ذهبت أدراج الرياح؟ وكم مقعداً في الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة شغله العرب وبالنتيجة كم مرة أمكن الوصول إلى هدف استراتيجي قابل للتبلور الخلاق في وعي الأجيال ووجدانها المعرفي المتراكم..؟ وأردف السؤال بآخر: ألم تكتمل دورة الزمن على نحو مختلف يدل على حتمية تاريخية ينبغي تقرير مضامينها في سياق توالي الحضارات.. بيد أن ما يخشى منه اكتمال شروط التحول وغياب السياق التأملي والرؤية البعيدة، وليس أقسى على النفس من وضع الآمال العظيمة فوق جسور من الرمال المتحركة.. لنقل إذاً "فال الله ولا فال الشيطان".