قولوا أيضا: إن عنوسة شبابنا وشاباتنا مؤامرة من الخارج.. إن ظاهرة بقاء شبابنا وشاباتنا دون زواج وتزايد هذه النسب عاما بعد عام كارثة اجتماعية لها عواقب وخيمة.. ونحن كمجتمع السبب الأول والأخير وراء هذه الكارثة.. ونحن الذين سنعاني من ويلاتها ومن نتائجها.. وليس هناك غباء أكبر من أن نخرب بيوتنا بأيدينا.. سألت مجموعة من الشباب الذين لديهم وظائف ودخل معقول في إحدى المناسبات: لماذا لا تتزوجون؟ فقالوا "على يدك يا دكتور استلم دخلنا وزوجنا أو تعال احسب معنا".. المهر وما أدراك ما المهر.. وقصر الأفراح و"الكوشة" والشقة والأثاث والسيارة..ووووو... الخ. وهنا أسأل مجتمعنا بأكمله: لماذا تفعل هذا بشبابك وشاباتك؟ أما تتقي الله؟ ماالعداوة التي نصبها لك هؤلاء حتى تنتقم منهم هذه الانتقام الكبير المدمر؟ ألا تعلم أيها المجتمع "الذكي" أن ما تفعله هو تدمير لنفسك قبل أن يكون تدميرا لهم؟ لماذا هذه الأنانية في أفرادك؟ تملأ الدنيا بهجة وفرحا، وفئة الشباب والشابات يعانون من مشكلة مؤرقة؟ هل ينطبق عليك قول المتنبي؟: "وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم".. أما آن الأوان لأن يلتفت عقلاؤك لهذه المصيبة التي حلت بك ولا زلت تعاني من ويلاتها؟ وحتى لا أتهم بالجهل هناك جهود تبذل من إمارات المناطق والجمعيات الخيرية فيما يسمى: بالزواج الجماعي أو إعانة الزواج لكنها ليست كافية.. ولم تعدل النسبة بمستوى ملفت.. والمشكلة لها أبعاد متعددة.. منها ما يتعلق بالشباب ومنها ما يتعلق بأهل الفتيات.. ومنها ما يتعلق بسوق قصور الأفراح، ومنها ما يتعلق بالتنظيم.. لكنها بالإجمال تتعلق بنا جميعاً كمجتمع.. ويبدو أن قوة اندفاع المشكلة أكبر من كوابح المجتمع الذي يبدو ضعفه وهزاله أمامها.. لأنه لم يضعها في جدول أولوياته على كل المستويات ليتناولها بالدراسة والحديث عنها في كل مناسبة.. وهو من الخجل أو قل من الجبن بالدرجة التي لم يجرؤ على الحديث عن نتائجها.. لماذا مجتمعنا بهذه الصورة ينتظر أن تحل الكارثة عياناً بياناً فيتحرك بالصراخ والعويل أولاً.. ثم يبدأ بالتفكير في الحلول؟ والله أعلم إن كان سيستمر في الحديث والدراسة والجدية حتى تنتهي المشكلة، أم أن الشوط الذي سيقطعه لا يتعدى شوط "البقرة" ثم لا يلبث أن ينسى ويعود إلى بهجته وفرحه تاركاً المعاناة لتلك الفئة اليافعة الغضة من شبابنا وشاباتنا يتأوهون ويولولون وحدهم ويتحملون مأساتهم وحدهم.. وهذا كله عيب علينا كمجتمع مسلم يؤازر بعضه بعضاً.. ويشد بعضه بعضا.. وكأن الذي قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه" ليس رسولنا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم..
الآن أرى أننا أمام مشكلة مجتمعية كبيرة.. وأننا نحن قد تخاذلنا في التعامل معها.. وقصَّرنا في التصدي لها.. وأننا كلما تأخرنا في إيجاد الحل، تفاقمت وأصبح حلها من الصعوبة بمكان.. وأعلم أن مقالة كهذه لا يمكن أن تتصدى لحل مشكلة بهذا الحجم.. لكن الحل يتعلق بثلاثة جوانب من المجتمع: الدولة من ناحية، والشباب والشابات من ناحية أخرى، وأهلهم من ناحية ثالثة. أما ما يتعلق بالدولة فلا أعني أن تفرض نظاما على المجتمع، لأن هذا النوع من المشكلات لا يمكن التعامل معه بقوة النظام.. ولن يتم حله بإصدار قرار أو مرسوم.. وفي ظني أنه يمكن تشجيع قيام وتأسيس منظمات المجتمع المدني NGOs كجمعية المعلمين وجمعية الأطباء وجمعية المهندسين ...الخ. ويكون في نظام هذه الجمعيات تسهيل عملية الزواج بين أعضائه وأعضاء الجمعيات الأخرى.. من حيث تحديد المهر وتكاليف حفلة العرس والمساعدة على السكن والتأثيث.. هذا التسهيل يمكن أن ينشأ كثقافة بين الأعضاء.. فإذا ما تم بين تلك الجمعيات التي تشكل نخب المجتمع يمكن أن تنتشر هذه الثقافة في المجتمع كله بعد فترة وجيزة.. حاولت الدولة أن تحل هذه المشكلة مع شيوخ القبائل ولم تنجح، وبالتأكيد لن تنجح في فرض حل بالنظام، ولذلك ربما يتم حل هذه المشكلة عن طريق منظمات إذا وضع في نظامها وتم عقد ندوات ضمن نشاط كل منظمة، وتم وضع كل تفاصيل المشكلة على الطاولة بشكل صريح، وتم إبراز الكوارث التي تحل بالشباب والشابات والمجتمع بأسره، عندها لدي يقين أنه ستتم الاستجابة للحلول المقدمة والميسرة، وسنبدأ في الاستمتاع بانفراج المشكلة والمضي نحو حل نهائي لها.. وما يتعلق بالناحية الثانية وهي الشباب والشابات أنفسهم والناحية الثالثة أهلهم فإنه يجب أن يستجيب الشباب والشابات وأهلهم لما يطرح من حلول تسرِّع في حل هذه المشكلة، لينعم شبابنا وشاباتنا بالاستقرار الذي يستحقونه.
وخلاصة القول، نحن بلد الإسلام ومنبع الإسلام ونحن بلد الخير ومنبع العطاء.. نحن الذين نمثل الفضيلة في أسمى معانيها ومنبع الجود بأعلى مستوياته.. ولا يليق بنا ولا بمجتمعنا ولا بشبابه وشاباته أن تكون لدينا كارثة بهذا الحجم.. ولا يليق بنا ونحن المملكة العربية السعودية التي ما توانت وما تأخرت في العون والمساعدة والوقوف بجانب المحتاجين والمعوزين وكل من تحل به كارثة، لا يليق بنا أن نقف متفرجين أمام زهورنا وزهراتنا وهي تذبل وتستمر في الذبول دون أن ننعم عليها بقطرات الندى التي تعيد لهم ولهن الحيوية والحياة والسعادة والاستقرار.. أنا لست فقط متفائلاً.. بل متأكد من أن بلدا مثل المملكة العربية السعودية لن يهدأ له بال وفيه عانس واحد.. أو شاب أو شابة تريد الزواج والاستقرار والحياة الكريمة ولا يجدها أو تجدها في بلادنا.. مجتمعنا وأفراده مجتمع يتمتع بالفضيلة.. أيها المجتمع الفاضل: أنا متفائل بل متأكد من استجابتكم لمعاناتهم في زمن قياسي رغبة في الرضا من الله ثم لنثبت أننا على مستوى حل مشكلات مجتمعنا.