تصوروا.... ما الذي كان سيحدث أو سيكتب لو أن حادثاً عرضياً أو أن كارثة تدافع محدودة من بين حشود الملايين قد بصمت بنقطة سوداء في ثوب (الحج) المدهش بكل البراهين؟ كنت على الفور ستقرأ عشرات المقالات وآلاف التغريدات عن الفساد وعن الإهمال وعن اللامبالاة. كنت ستقرأ أضعافها عن سوء الإدارة وغياب التخطيط ونقص الإشراف. مشكلة النجاح الاستثنائي المدهش مثلما كان في حج هذا العام أنه، وعلى مسؤوليتي، يغيظ الآلاف للأسف الشديد في مجتمع اعتاد تضخيم الأخطاء حد الفرحة المكتملة بصيدها وتجاهل النجاح، وخصوصاً حينما تكون درجة مكتملة.
هنا يبرز السؤال: لماذا كان موسم الحج في السنوات الأربع الأخيرة يشهد هذا التصاعد النسبي في الاستفادة من الخطأ وتعميق التجربة؟
والجواب، أن الذي تعلمته من الأمير خالد الفيصل، بشكل فردي، في قصة مشواري معه، ألا ننسب أي نجاح في المطلق إلى قيادة الفرد أو حتى رأس مثلث هرم الإدارة. قصة الحج ونجاحه المثير تكمن في (الاستثناء) المتناغم بين الفريق الهائل وبين هرم الإدارة المحدودة، وإذا كان لا بد من توجيه عظيم الشكر والامتنان فهنا سأتوجه للجندي الذي نقلت صورته آلاف المواقع إلى شتى بقاع الأرض وهو يحمل على كتفيه مسناً لرمي الجمرات لأنه صورة للفريق الهائل: نشكره قبل أن نشكر الأميرين خالد الفيصل أو محمد بن نايف، لأنهما على الأقل تحملا مسؤولية وطنية لا خيار لهما فيها ومن الحق أن نقول إنهما لقرارهما لا ينتظران الشكر. لكن الصحيح أيضاً، أن خالد الفيصل في مشواره الإداري، هو سيد التفاصيل، ابتداء من قراره الشهير ترميز السيارات الداخلة إلى مواقع المشاعر، وانتهاء بوقفته حاملاً للمظلة لساعات يراقب الحشود المليونية إلى الجمرات، رغم أنه يعلم أنها تحولت إلى مجرد تنظيم حشود روتينية بالغة السلامة.
لماذا نجح موسم الحج ولماذا كانت هذه النقلة النوعية؟
والجواب الأساسي الجوهري، الذي أقوله وأنا فخور بانتمائي ووطني، إن وطني قد صرف حتى اللحظة على مشاريع مشاعر الحج ما يناهز المئة مليار ريال في كل الأماكن المختلفة. وخذ بالمثال أن قطار المشاعر الذي كان في الأعوام السابقة مثار انتقاد ونقطة جدل، هو نفسه الفكرة التي كانت علامة جوهرية فارقة في النجاح الهائل لموسم الحج الأخير. هو وحده دلالة تطوير للتجربة. الجواب أن الصرف الحكومي الهائل لا بد له أن يثمر، ومع هذا سيبقى المال والصرف والمشاريع مجرد بنى تحتية لن تنجح من دون حسن الإدارة.
من أجل نجاح حج هذا العام، حشدت القوى الأمنية ما يناهز المئة ألف فرد بكل ما يحتاجه هذا العدد الضخم من المد اللوجستي. رقم يفوق عدد الجيش الأميركي إلى العراق، مع الفارق أنه يؤدي مهمة دينية إنسانية في المقام الأول. هذا يعني أن جندياً واحداً مقابل كل ثلاثين حاجاً وهذه المعادلة الرقمية تعتبر استثناء فريداً في الحياة المدنية لعدد رجال الأمن في مقابل السكان.
الجواب الثاني لنجاح موسم الحج يكمن في الحشد الصحي والكوادر الطبية التي اقتربت هذا العام من خمسين ألف فرد في هذا الاختصاص وهو رقم يفوق ضعف ما كان عليه قبل خمس سنوات. هذا يعني أن هناك فرداً من الكادر الصحي مقابل كل ستين حاجاً وهو رقم استثنائي يفوق المعادلة الصحية المتعارف عليها في عدد السكان إلى العدد المقابل من الكوادر الصحية.
أخيراً، يكمن الجواب على نجاح الحج لهذا العام في توحد الإدارة وتوحيدها حتى لا تتشتت الجهود في مهمة قصيرة بالغة التحديات ومتشابكة الظروف، نحن نعلم أن فريضة الحج، وحدها، تسبح ضد كل المخالفات من مخالفات الحملات الوهمية بالمئات إلى مخالفات الحج بلا تصريح بمئات الآلاف أيضاً وليس انتهاء بحملات التجييش لتحويل الفريضة إلى شعارات حزبية وسياسية. شكراً لكل من أسهم في هذه الصورة المدهشة.