السفير شاس فريمان، الذي كان سفير الولايات المتحدة إلى السعودية في فترة الحرب على العراق –عملية عاصفة الصحراء- هو دبلوماسي غير عادي. فهو يتحدث بعبارات صريحة ولا يحاول تغطية إخفاقات السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في الشرق الأوسط. منذ أيام قليلة، ألقى السفير فريمان خطابا هاما في مؤتمر المجلس القومي حول العلاقات الأميركية – العربية في واشنطن، ولم يخيب الآمال.
على مدى نصف ساعة، قام بتحليل الإخفاقات الأميركية، وأعلن أن نظام التحالف الأميركي في الخليج الذي كان منيعا في يوم من الأيام، يمر حاليا بأزمة، وحذر من أن أسس الاستقرار الإقليمي تتعرض لهزة عميقة. وحذر السفير فريمان من أن الحدود الإقليمية للشرق الأوسط الكبير، كما تم رسمها في نهاية الحرب العالمية الأولى من قبل الفرنسيين والبريطانيين في اتفاقية سايكس – بيكو المشؤومة، تتهاوى حاليا، وحذر السفير فريمان من أن ملامح الخارطة تتهاوى الواحدة بعد الأخرى.
كان فريمان واثقا من شيء واحد: التغيير البنائي الذي عصف بالمنطقة خلال نصف العقد الماضي كسر قبضة الشر للقوى الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. السفير قدم قضيته ببراعة.
قال السفير بريمان: "العالم البسيط من التنافس بين الاستعمار والقوى العظمى لم يعد خافيا. مفهوم أن يكون أحد ما إما معنا أو ضدنا فقد بريقه في الشرق الأوسط الحديث. ليس هناك حكومة في المنطقة مستعدة الآن لأن تثق بأجانب لبناء مستقبلها، وخاصة القوى الأجنبية. لذلك فإن دور القوى العظمى الخارجية أصبع عاملا معقدا ديناميكيا ولم يعد شاملا ثابتا أو متجانسا. هناك مجال للاعبين جدد وقدامى ولكن الجميع سوف يرقصون على أنغام تم تأليفها في الداخل، وليس في عواصمهم وعواصم القوى العظمى".
وقد أكد فريمان أن الولايات المتحدة، وفي هذه المرحلة على الأقل، فقدت الكثير من هيبتها واحترامها وسلطتها في المنطقة. وأضاف أن الانتفاضات والثورات والانقلابات العربية التي تمت في العامين والنصف الماضيين بينما الولايات المتحدة، رغم القوة العسكرية الهائلة التي تملكها، إلا أنها لم تعد تستطيع أن تشكل وتصوغ التوجهات في الشرق الأوسط. لا يتوقع أحد أن تفعل أميركا ذلك الآن. أوهام القوة الإمبراطورية الكلية لا تموت بسهولة، لكن السؤال اليوم لم يعد كيف نتصرف نحن أو قوة خارجية أخرى للتأثير على مستقبل العرب. الاستعمار بشكليه القديم والحديث لم يعد موجودا. سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، لأن دول المنطقة الآن تسيطر على قدرها وحظا سعيدا لهاّ".
السفير فريمان لم يترك الحضور يتحسرون على "الاضطرابات المتلونة" في المنطقة دون أمل أو علاج. ولم يقدم وصفات محددة لحل الأزمات في سورية، مصر، لبنان والعراق أو المواجهة التي تبدو في الأفق مع إيران حول سعيها المزعوم للحصول على قنبلة نووية. لكنه قدم بعض النصائح الحكيمة لصانعي السياسة الأميركية الذين يحاولون مواجهة الواقع الجديد. أضاف فريمان:
"نحتاج لأن نستمع إلى شركائنا في المنطقة ونحترم بمصالحهم. نحن لا نستطيع، على سبيل المثال، أن نتعامل مع إيران وكأن إسرائيل هي الفريق الإقليمي الوحيد الذي نهتم به ونستمع لآرائه. ما نفعله مع إيران سيكون له تأثير كبير على دول مثل السعودية، الإمارات، قطر، والبحرين. سيؤثر ذلك على علاقاتنا مع الكويت، لبنان، العراق، وتركيا بالإضافة إلى سورية. إذا لم نوازن مصالح أصدقائنا بشكل ملائم ونحن نصوغ سياساتنا، سيردون بتجاهل مماثل على تجاهلنا... بالدرجة الأولى، لا نستطيع أن نفترض أن المستقبل سيشبه الماضي في الشرق الأوسط. مهما كان شكله المستقبلي، فإنه سيختلف حتما عما رأيناه على مدى القرن الماضي. لم يعد لدينا شركاء آليون في المنطقة. لا إسرائيل ولا أصدقاؤنا العرب يثقون بنا أو مستعدون أن ينزلوا عند رغباتنا. سيكون علينا أن نبذل جهودا أقوى لرعاية علاقاتنا معهم إذا كنا نريد أن نقنعهم بالعمل معنا نحو أهداف مشتركة".
السفير فريمان اعترف بصراحة أن الشراكة الاستراتيجية الأميركية – السعودية تتعرض للخطر بشكل خاص. وأشار إلى أن "رفض السعودية قبول مقعدها في مجلس الأمن الدولي يعكس هذا. الرياض لم تكتف بالاحتجاج لكنها اختارت تفادي التفاعل اليومي مع الولايات المتحدة حتى لا تفاقم العلاقات الثنائية حول القضايا الإقليمية".
السفير فريمان مقتنع بأن واشنطن فقدت، على المدى المنظور، القدرة على تقديم القيادة المنفردة في منطقة هشة تعرضت لاهتزازات قوية بسبب أخطاء السياسة الأميركية. ليست هناك قوة عالمية تستطيع أن تملأ الفراغ الذي تركته الإخفاقات الأميركية وتراجع الولايات المتحدة عن القيادة. الخيار الأفضل، في رأي فريمان، هو في توافق من القوى العظمى –الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الصين، وربما بعض الدول الأوروبية أو حتى اليابان- للقيام بشكل جماعي بتقديم المساعدة لحل الأزمات الإقليمية. ولكن في جميع الأحوال، سيكون من الواجب سماع الأصوات الإقليمية الرائدة بوضوح والعمل معها من أجل مستقبل أفضل.
السفير فريمان حذر من أنه إذا لم يتم اتخاذ مثل هذا النهج، ستنحدر المنطقة إلى الفوضى وسيرى العالم نتائج ذلك على مدى أجيال قادمة.