لم أكن أتصور أن منطقة البلد في جدة القديمة تعود فتسحرني مرة أخرى. استسلمت لها الخميس الماضي وهي تجذبني برفقها وتأسرني من بين فريق ضم أعضاء من جمعية عمران جدة، وهواة تصوير وطلاب أقسام العمارة والتصاميم من كليات مختلفة، جاؤوا لتدوين رواشينها ومشربياتها وأبوابها المزخرفة منذ مئات السنين. كنت أتجول معهم وأحدثهم عن بيوتها وسكانها، وكأني لست بينهم إذ كنت ابتعد رويدا رويداً فأتوه من جديد في عشقها. مضت سنين ونحن نشاهد بيوتها برواشينها تتهاوى، فبعضها يحترق وبعضها يتحول إلى مخازن ودكاكين ومطابخ أمام أعيننا، مخالفة لشروط اليونسكو للأماكن التاريخية حتى بدت كأنها لم تعد تسحرنا!
هذه المرة أخذ سحرها يأسرني وأنا أغادرها في طريقي إلى منزلي في أقصى شمالها الغربي. السبب في ذلك أني تعلمت كيف أصورها فتماهت مشاعري في جمالها. فقد عشت طفولتي في أحضانها فعرفت أزقتها وبيوتها. فهذا مسجد سيدنا عثمان قبل 1400 عام ومسجد الشافعي قبل 800 عام، وهذه الفلاح أول مدرسة قبل 120 عاما، وحارة البنوك وشركات الاستيراد والكومسيون قبل 100 عام في قصبة الهنود، وهذا بيت أول معلم للغة الإنجليزية قبل 80 سنة، وأول بوتيك نسائي، والمتنزه ببحيراته الصناعية، وثلاجة باخشوين (أول كوفي شوب)، وأول مستشفى ودار نشر ومطبعة وصيدلية. ومع ذلك لم يدر في خلد ذاك الطفل الصغير أن يلتقط صورة من تلك.
أخذت أطالع وأتحسس صورة صورة فرأيت رواشينها جدايل فاتنة بسحرها، طرزتها أنامل ذلك المعلم، نجار جدة القديم، فزين مشربياتها (الشيش) بفن تشبيك الخشب (العاشق والمعشوق)؛ فبدا كل روشان بناءً متكاملا، أو ممتداً "روشان فوق روشان" كأنه جدايل لواجهة البناء، لذلك فرغم ضياع أبواب بيوت جدة وسرقتها تظل رواشينها علامة لا يمكن إلا أن تفصح عن ملامح تاريخها.