لا يخلو مجتمع في العالم من آفة وقبح التحرش والمتحرشين، ويكاد أن يكون الأمر حادثاً بشكل يومي أيضاً في مجتمعاتنا، لكن معدلاته التي بدأت تتزايد يوماً عن آخر، أصبحت تشكل قلقاً حقيقياًّ لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه، والخوف كل الخوف أن تتحول إلى ظاهرة معربدة بين ظهراني مجتمعاتنا العربية، وقد ذكرت بعض الدراسات والتجارب أن جريمة التحرش ليست مرتبطة بالدين أو العرق، بل إنها تبدو كفعل غريزي لا أخلاقي شاذ، وحالة نفسية مرتبطة بالثقافة والتربية التي ينشأ عليها الفرد، والتي تكرس في روحها النظرة الدونية لفئة أو شريحة ما (النساء أو الأطفال)، وتذكر الدكتورة "سوسن الجلبي" دكتوراه في (القياس والتقويم): "أن التحرش الجنسي هو مجموعة من السلوكيات غير المرغوب فيها، والتي تتراوح ما بين المضايقات اللفظية والسلوكيات الإجرامية والاعتداءات الجنسية، وتتعدد أشكال التحرش كما يلى: شخص يتحرش جنسياًّ مع شخص آخر، وشخص غير مرغوب فيه يقوم بمضايقات أو سلوكيات غير مرغوبة لطلب أعمال جنسية، يمارس هذا السلوك أشخاص غير مرغوب فيهم وذلك بعمل مضايقات للأشخاص الآخرين.. وعلى الرغم من أن مشكلة التحرش الجنسي بالإناث لم تلق الاهتمام العلمي الكافي سواءً على المستوى العالمي أم الإقليمي، إلا أن التراث البحثي يتضمن عددا كبيراً من الدراسات في سياق هذه المشكلة، وإن كان هذا العدد لا يتناسب مع حجم وخطورة هذه المشكلة".
وحسب موسوعة "الويكيبيديا" فإن مصطلح "تحرش" يعني مُضايقة، أو فعلا غير مرحب به من النوع الجنسي. يتضمن مجموعة من الأفعال من الانتهاكات البسيطة إلى المضايقات الجادة التي من الممكن أن تتضمن التلفظ بتلميحات جنسية أو إباحية، وصولا إلى النشاطات الجنسية، ويعتبر التحرش الجنسي فعلا مشيناً بكل المقاييس، والتحرش الجنسي يعد شكلا من أشكال التفرقة العنصرية غير الشرعية، وهو شكل من أشكال الإيذاء الجسدي (الجنسي والنفسي) والاستئساد على الغير، ويعرف المركز المصري لحقوق المرأة التحرش الجنسي بأنه: "كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان"، وقد بدأ استخدام مصطلح التحرش الجنسي عام 1973، في تقرير إلى رئيس ومستشار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك، عن أشكال مختلفة من قضايا المساواة بين الجنسين، ووضع سياسات وإجراءات ذات صلة. معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في ذلك الوقت اعترف أيضا بالإصابات الناجمة عن المضايقات العنصرية والمضايقات التي تتعرض لها النساء ذوات البشرة الملونة. وذكر رئيس المعهد ذاته أيضا، أن "التحرش يتناقض مع رسالة الجامعة، وكذلك لا يطاق بالنسبة للأفراد". وقد قام بعض الباحثين العرب في هذا المجال، بعمل تجربة ميدانية مثيرة على أرض الواقع، تهدف إلى المساعدة في كشف المسببات الرئيسية التي تؤدي إلى القيام بذلك الفعل الشاذ والسلوك المشين، وستجدون التجربة على الرابط التالي بموقع اليوتيوب: "http://www.youtube.com/watch?v=e6hbw1pWV6E"
التجربة أعجبتني من ناحية إثبات أن الشكل الخارجي ليس المسؤول الأول عن حدوث التحرش، وتدعك تفسح المجال للتركيز على جوانب أخرى أكثر أهمية، فنحن في المجتمعات العربية المسلمة، لم نكن ولفترات زمنية طويلة واضحين بشكل ملفت للنظر فيما يخص حالات التحرش الجنسي، وعلى الأقل لم نكن متقدمين على لوائح وقوائم الإحصائيات العالمية المهتمة بهذه المشكلة، لكننا مؤخراً وبسرعة مذهلة قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الجانب غير المشرف قطعاً، وتبدو بعض الجوانب المسببة لذلك مفهومة لدى المتأملين بعمق للمشهد الاجتماعي العربي على وجه التحديد، وشخصياًّ قد أذهب في تصوري؛ إلى ربط الأمر بالواقع السياسي المتخلف في الوطن العربي، وعدم اهتمامه جدياًّ بتشريع القوانين الرادعة الكفيلة بحفظ الحقوق المدنية للفرد وحمايته، كما أرى أن الانحدار الفكري المترنح، والذي أنتج ثقافة اجتماعية هجينة ليست واضحة المعالم، لا تنتمي في الغالب إلى جذور الثقافة العربية؛ أربكت كثيرا من المفاهيم والقيم الأخلاقية لدى الفرد، وهو ما أدى إلى تنازله عن كثير من الأخلاقيات المرتبطة به تربوياً وثقافياً ودينياً، وفي ظني أننا لم نستوعب بعد طرق التعامل مع الممكنات، التي أتاحها لنا الانفتاح العظيم على العالم، فشكلنا تبعاً لذلك رؤيتنا الجديدة المرتبكة والمشوشة للمتغيرات الطارئة على مجتمعاتنا، كوننا لسنا على ثقة وطيدة بمعظم الأطروحات والنظريات الفكرية العالمية عملياًّ.
وما أقلقني جداًّ ودفعني للكتابة في هذا الجانب، هو حادثة التحرش بالفتيات التي وقعت قبل أيام في أحد مولات الظهران، وعدد المتفرجين على الحادثة ببرود لم أتخيله على الإطلاق، إنه أمر مخجل آخر جدير بالدراسة والبحث أيضاً، لأنني أجزم بشكل مطلق: أن ذلك الموقف السلبي العجيب لم يعرفه مجتمعنا سابقاً.