اللواء سعيد ناصر المرشان
نائب قائد كلية الملك خالد
العسكرية - رئيس تحرير مجلة الكلية
لم يكن الأمر السامي الكريم الصادر برقم (أ / 168) وتاريخ: 17 / 7 / 1434، بتحويل (رئاسة) الحرس الوطني إلى وزارة وتعيين سمو الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز وزيرا لها، مرسوما ملكيا عاديا، أو أمرا إداريا عابرا، وإنما كان تتويجا لمسيرة تطويرية شاملة، لمؤسسة وطنية عريقة، أسهمت مع غيرها من مؤسسات الدولة في دعم الأمن والاستقرار، والحفاظ على حياض الوطن ومقدساته.
ويستطيع الراصد لمسيرة الحرس الوطني الحضارية أن يتوقف عند محطات هامة ومراحل واضحة، تمثل كل مرحلة منها نقلة نوعية متميزة، أضفت عليه سمتا جديدا، وأضافت إليه بعدا عميقا على طريق التطوير والتحديث، والتحضر والارتقاء؛ ويمكن اعتبار عام (1382هـ) هو عام الانطلاقة الكبرى لمسيرة التطوير في الحرس الوطني، والتي اقترنت بتولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لرئاسته حيث بادر ـ آنذاك ـ بالبدء في نهضة تنموية شاملة، تنطلق من رؤية مستقبلية ثاقبة، وتخطيط دقيق محكم، ومتابعة دؤوبة متواصلة، وتقويم وتصويب متلاحق؛ مستهدفا من ذلك تطوير تلك المؤسسة وتحديثها، وصولا بها إلى مكانة رفيعة ومنزلة سامية، تتناسب مع عظم المهام والمسؤوليات التي تتولى القيام بها.
وقد عبر عن استراتيجية التغيير التي عقد العزم على القيام بها في ذلك الحين، بعبارات بدت وجيزة الكلمات، ولكنها كانت واسعة المعاني والدلالات، منها قوله: "الحرس الوطني سيسير في كل اتجاه، عسكري، واجتماعي، وتعليمي، وفني، كلما وجدنا الظروف مواتية والفرصة سانحة، فالعالم يتحرك ويسير في اتجاه التغييرات الكبرى، نحن في هذا العالم نتابع ما يجري، ونتفهم مشكلاته، ونأخذ منه ما نرى أنه مفيد، ونرفض ونتحفظ على كل شيء مضر بنا وبمعتقداتنا وأصالتنا، نعم.. سنطور الإنسان وفكره كما نطور سلاحه ومفهومه العسكري"؛ وأوضح عن التصور المستقبلى والطموح المنشود للحرس الوطني بقوله: "إن الحرس الوطن ليس مؤسسة عسكرية أو مدنية فحسب، بل هو مؤسسة حضارية متكاملة، لها دور فعال ومؤثر في جميع مجالات الأمن والتنمية والنهضة".
وسرعان ما تحولت طموحات سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ من خلال نخبة محترفة مخلصة من القيادات التنفيذية ـ إلى واقع ملموس على أرض الواقع، وإذا بالحرس الوطني يقطع أشواطا طويلة، ويخطو خطوات وثابة في كل مجال سار فيه...
ففي المجال العسكري، بدأ تطوير القدرات العسكرية عبر التوقيع على (اتفاقية تطوير الحرس الوطني عام (1394) مع الجيش الأميركي، ليتولى عملية تحديث قطاعات الحرس الوطني ووحداته، لتواكب كل جديد من النظريات العسكرية تنظيما وتسليحا وتدريبا، حيث تحولت قوات الحرس من تشكيلات تقليدية إلى وحدات عسكرية متطورة وفق أحدث النظريات العسكرية؛ وبعد أن كان يقتصر على وحدات المشاة ذات التسليح الخفيف، أصبح يشتمل على: قوات المشاة الآلية الحديثة، والمدفعية، والصواريخ، والرادارات، وشبكات الاتصالات العسكرية، التي حظيت بالتطوير من خلال تزويدها بأحدث أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية؛ فضلا عن إدخال منظومتين جديدتين تعززان من قدراته، وتزيدان من فعالية وقوة وكفاءة قواته، وترفعان من جاهزيته القتالية والدفاعية، وهما: منظومة الطيران العمودي، ومنظومة الدفاع الجوي.
وفي مجال التعليم، اهتم بتعليم من فاته قطار التعليم من المنسوبين، وذلك من خلال افتتاح العديد من المدارس ومراكز التعليم الليلة والنهارية، وخصصت وكالة بالحرس الوطني للاشراف عليها .
كما أولى عنايته إلى معاهد الإعداد والتأهيل، بوصفها القاعدة الصلبة التي تصنع الرجال، وتخرج الفنيين والاختصاصيين؛ فمن جناح المرشحين ـ الذي تأسس عام (1385) ـ ليتولى مهمة تخريج الضباط لوحدات الحرس الوطني وتشكيلاته، انتقلت المهمة إلى المدارس العسكرية والفنية لتأهيل الضباط والأفراد عام (1393). وما لبثت مهمة إعداد وتأهيل الضباط أن انتقلت إلى (كلية الملك خالد العسكرية)، بعد افتتاحها عام (1403)، فضلا عن قيامها ـ منذ عام (1406) ـ بعقد دورات لتأهيل الضباط الجامعيين.
وحرصا على توفير أفضل السبل لتطوير مهارات ومعارف الضباط، تمت الموافقة على إنشاء كلية القيادة والأركان الخاصة بالحرس الوطني.
لم تقتصر الخطط التي تم تطبيقها على مدى العقود الماضية من أجل تطوير الحرس الوطني على منسوبيه وما يتعلق باحترافهم للعمل العسكري فحسب، بل امتدت تلك الخطط لتشمل تطوير حياتهم الأُسرية والاجتماعية، وذلك من خلال تأمين المدن السكنية الشاملة التي تلبي متطلبات الاستقرار الاجتماعي.
وقد ترافق ذلك كله مع تطوير الخدمة الطبية لمنسوبي الحرس الوطني، وفي سبيل ذلك تم إنشاء عشرات المراكز المزودة بالأطباء المتخصصين والمختبرات الطبية ، كما أنشئت المستشفيات الكبرى بالمدن الرئيسة لتواجد الحرس الوطني. وقد تُوجت تلك الجهود الطبية بإنشاء (جامعة الملك سعود للعلوم الصحية بالحرس الوطني).
وتطبيقاً لما تضمنته خطط خادم الحرمين الشريفين لتطوير الحرس الوطني، ليصبح مؤسسة حضارية متكاملة، فقد أولى هوية الأمة وعقيدتها وتراثها وثقافتها اهتماماً خاصاً. وقد تم الانطلاق في هذا المسار عبر اتجاهين:
الأول: ترسيخ المبادئ الدينية والثوابت الفكرية والثقافية والأخلاقية بين منسوبي الحرس الوطني وذويهم عبر مكاتب الإرشاد والتوجيه والتوعية الدينية المنتشرة في وحدات الحرس الوطني ومدنه الإسكانية في محافظات المملكة؛ الثاني: إقامة المهرجانات الثقافية التي تهتم بالموروث الفكري والثقافي، والحفاظ على عادات الأمة وتقاليدها وهويتها الدينية والاجتماعية؛ وهو ما يتجسد في المهرجان الوطني للتراث والثقافة، الذي يقيمه الحرس الوطني ـ سنويا ـ منذ عام (1405)، تأكيدا على الدور الحضاري الذي يضطلع به في خدمة مجتمعه وأمته.
في ضوء هذه التطورات، التي تعكس ما وصل إليه الحرس الوطني من تقدم وازدهار في الكثير من المجالات، لم يكن المرسوم الملكي بتحويل رئاسة الحرس الوطني إلى وزارة مفاجئا، حيث جاء متسقا مع اكتمال المسيرة الطويلة التي قطعتها تلك المؤسسة الوطنية الحضارية على طريق التنمية والتطوير والتحسين والتحديث لكافة عناصرها ومفرداتها، وخصوصا العنصر البشري، الذي يعد الثروة الحقيقية لكل مؤسسات الدولة؛ كما يعد تعيين الأمير متعب بن عبدالله وزيرا لتلك الوزارة الوليدة، توطئة واستهلالا واستبشارا لما ينتظرها من نجاحات في الحاضر والمستقبل، فسموه من خيرة القادة العسكريين المؤهلين، وحسبه كفاءة واحترافا ومقدرة قيادية متميزة، أنه تابع نهج والده في البناء والتنمية والتطوير، وحقق العديد والمزيد من الإنجازات التي عادت بالنماء والارتقاء على الحرس الوطني وعلى منسوبيه؛ ولذلك فقد استقبلوا جميعا نبأ تحويل الرئاسة إلى وزارة، وتعيين الأمير متعب وزيرا لها، بالسرور والترحاب والبهجة والانشراح.