القارئ الموضوعي لموقف المملكة في رفضها لأحد المقاعد الخمسة عشر غير الدائمة في مجلس الأمن، لا يجد صعوبة في تفسير هذا الموقف، حتى ولو لم تقم المملكة بالتوضيحات والمبررات التي سردتها، فالمتتبع لدور هيئة الأمم المتحدة في القضايا العربية، وكذلك مواقف الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة الدور الأكبر في النفوذ العالمي، يجد أن القضايا العربية لم تحظ بما يجب أن تحظى به، لا نقول من الاهتمام ولكن من العدل والإنصاف، وظهر الاستياء السعودي الأيام القليلة الماضية عندما عبرت المملكة عن بالغ أسفها تجاه ما تم تبنيه من سياسات أولاً: تجاه سورية، وثانياً: عدم حدوث أي تطور يذكر تجاه القضية الفلسطينية واستمرار ابتلاع الأراضي الفلسطينية عن طريق بناء المستعمرات بشكل مكثف، وثالثاً: سحب المساعدات الأميركية لمصر بعد أحداث 30 يوليو والتقارب الأميركي الإيراني على حساب السياسات المتعلقة بدول المنطقة.
هذه السياسات عملت بشكل كبير على ظهور الخلاف وأخرجته إلى السطح عن طريق ما عبر عنه الأمير بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات العامة للإعلام بأن المملكة ستوقف التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في قضايا محددة.. كل ذلك أتى بعد أن رفضت المملكة المقعد الموقت الذي حصلت عليه في مجلس الأمن والذي كان أبلغ تعبير عن غضبها من فشل العالم الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية في التعامل مع الأحداث في سورية بما يكفل وقف نزيف دم الأبرياء الذين تعرضوا لمختلف وسائل القتل والقمع والتعذيب باستخدام كل الأسلحة الممكنة، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً.. كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم الذي لم تتعد جهوده ما يمكن تسميته بجهود ذر الرماد في العيون.. إذن نحن نتحدث عن أربع قضايا ساخنة ومهمة تتعلق بسورية، وفلسطين، ومصر، وسياسة أميركا تجاه إيران، جعلت العالم العربي يشعر بالإحباط تجاه العالم، وبالذات الولايات المتحدة الأميركية، في كيفية التعامل مع تلك القضايا بشكل لا يحقق ما يؤمله العالم العربي وبالشكل الذي يحقق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.. القراءة العربية لهذه القضايا الأربع تشعر العرب بالتهميش الذي لا يمكن السكوت عنه.. هذا التهميش سيؤدي إلى تفاقم المشاكل في المنطقة واتساع رقعتها.. فمثلاً هناك تخوف من أن يؤدي التقارب الأميركي الإيراني إلى صفقة يتم بموجبها استمرار وجود إسرائيل كقوة نووية في المنطقة مما يشعر إسرائيل بالتفوق العسكري الذي يجعل من الحل العادل والعاجل للقضية الفلسطينية أمراً غير ممكن حتى لا نقول مستحيل، ذلك لأن التاريخ يقول لنا إنه لا مفاوضات بين قوي وضعيف، فالأقوى هو الذي يحدد قواعد وشروط التفاوض وهو الذي يملي الحل وهو الذي يفرض الواقع الذي يرغب أن يكون.. هذا أولاً.. وثانياً قد يكون ضمن صفقة التقارب الأميركي الإيراني رفع الحظر عن إيران، مما يزيدها قوة وصلفا سيظهران في دعم موقف النظام السوري الظالم ويبقي قضية سورية بدون حل، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة بأكملها.
ولهذا فإن دول المنطقة لن تقبل بأي شكل من الأشكال أي نفوذ إيراني في المنطقة سيعمل على تهديد مصالحها وزعزعة أمنها وقد يهدد وجود بعض دولها.. وستعمل كل ما يمكن عمله لئلا يتنامى نفوذ إيران في المنطقة لثبوت خطورة ذلك من خلال ما شهدناه من أحداث في الأعوام القليلة الماضية.
وخلاصة القول: الغضب السعودي مبرر من خلال تخلي أميركا عن المعارضة في سورية، بعد أن أعلنت أميركا على لسان رئيسها أهمية مغادرة الرئيس بشار الأسد بسبب ما اقترفه نظامه من تقتيل وترويع وتدمير للبلاد ولاستخدامه السلاح الكيماوي المحرم دولياً في سلوك إجرامي علني واضح وعلى مرأى من العالم.. وهذا يستدعي الغضب فعلاً فكيف يمكن السكوت عن مثل هذا الإجرام من قبل قيادة في حق شعبها؟
إن ذلك يستدعي فعلاً الغضب والاستنكار واتخاذ موقف صلب لحماية ذلك الشعب المغلوب على أمره.. ومن خلال السياسة مع إيران التي تدعم علانية النظام السوري وتذكي نيران الفتن في المنطقة.. ومن خلال اللعب بأوراق خاطئة في مصر من خلال وقف المساعدات لمصر ثم من خلال التراجع الواضح في نقد سياسة إسرائيل المتعلقة بالاستيطان الذي يعد من أخطر ما يجري على الأرض الفلسطينية من حيث ابتلاع أراضيها أولاً، ثم نشر تلك المستوطنات في طول فلسطين وعرضها حتى يصبح أمر تهجير المستوطنين قضية إنسانية يتعاطف معها العالم.. هذان السببان ـ في رأيي ـ يمثلان التخطيط بعيد المدى الذي من أجله تراوغ إسرائيل لتفادي الوصول إلى حلول دائمة من شأنها وقف خططها الاستراتيجية قريبة وبعيدة المدى من أجل ابتلاع كل أرض فلسطين.
المملكة تشعر فيما عبرت عنه من غضب، بأن الحليف الاستراتيجي القريب جداً والقديم جداً يتخاذل في اهتمامه بقضايا المنطقة وما يؤرق المملكة من قضايا.. كان لا بد للمملكة من إرسال رسالة قوية بحجم رفض المقعد الموقت الذي فازت به في مجلس الأمن لتصل الرسالة واضحة ومسموعة، أعقبتها تصريحات من بعض المسؤولين في المملكة لاتخاذ مواقف إضافية وكأن المملكة تقول إن الأمر لم يعد محتملاً أيها العالم وأيها الحليف.