عجيب أمر من لا يحتكم إلى العلم، مع أنه قائد من لا قائد له، والأعجب منه من يحتكم إليه، ولا يروق له منه إلا العسير والشاق، مع رفض من احتكم مثله إلى العلم، ووفقه الله إلى اختيار الأنسب والأصلح.. وطأت المقالة بهذا لأستعرض العلم في مسألة اختلفت فيها الأفهام، ولم يصل المختلفون فيها إلى الشقاق، وسوء الأخلاق.. المسألة العلمية التي أريد طرحها باختصار هي الخلاف بين أهل العلم في قبول توبة من حاول النيل من سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وما رتبوه على ذلك من أحكام.. لقد اتفق العلماء وحسب النصوص الواردة عنهم على أن سب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفر لذاته، يوجب القتل، (ثم) اختلفوا بعد ذلك، حين إيقاع الحكم على ساب بعينه؛ فبحسب ما نقلته كتب الحنابلة ككتاب (الهداية) للإمام أبي الخطاب الكَلْوَذَاني، وكتب الشافعية ككتاب (روضة الطالبين وعمدة المفتين) للإمام النووي، وكتب المالكية ككتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض، وكتب الحنفية ككتاب (المختصر) للإمام أبي جعفر الطحاوي، ونقلها الشيخ ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) الذي قال في مقدمته بالنص: "وقد رتبته ـ أي الكتاب ـ على أربع مسائل؛ الأولى في أن الساب يقتل مسلما أو كافرا، والثانية أنه يتعين قتله، وإن كان ذميا فلا يجوز المن عليه، ولا مفاداته، والثالثة في حكمه إذا تاب، والرابعة في بيان السب وما ليس بسب والفرق بينه وبين الكفر"، وبقراءة فاحصة مجردة نجد أن الشاتم يقتل بكل حال عند الحنابلة، مسلما أو كافرا، ولا يستتاب ولا تقبل له توبة، وعند المالكية أنه إن كان ذميا فأسلم ففيه روايتان بالنسبة لقتله، وعند الشافعية أنه كالمرتد إذا تاب سقط عنه القتل، وعند الأحناف أنه كالمرتد في سائر أحكام الردة؛ وحاصل خلاصة الأمر أن القول بقبول توبة الساب والمنتقص أو عدم قبولها، قولان متكافئان عند الأئمة المُتابعين، وأن القتل مسألة خلافية، وأن من قال بقبول الاستتابة أو عدمها، ليس أكثر أو أقل دينا وحبا لسيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. عرض العلم هنا لمجرد العلم، وليس الأمر متعلقا بغير ذلك من الهواجس والظنون التي قد تطرأ على بال بعض غير الموفقين من الناس، إذ إن التطاول على المقام النبوي عند كل البشر ليس بالعمل المرفوض والمستهجن فحسب، بل هو مما يدان به فاعله..
أحيانا قد لا يحالف التوفيق من يعبر عن سيده وسيدنا رسول الله، ثم لا تلبث به اللحظة بعيدا إلا وينير الله بصيرته بعدما خانه بصره؛ فيتوب ويستغفر عن سوء ما حصل، فهذا عند من منَّ الله عليهم بالوعي يستوجب أن نلهج بالحمد لله على توفيقه، والشكر له على هدايته، ويستوجب الفرح بالعودة المظفرة، والدعاء بأن لا يغير الله الحال إلا بما هو أحسن، كما يلزمنا بأن نكون كسيدنا أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ حينما مر على رجل قد أصاب ذنبا فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ـ بئر ـ ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: نعم ، قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي".