في شريط مسرب جرى اتصال بين أحد الشباب السعوديين وأحد القضاة السعوديين الذين حكموا في بعض القضايا المتصلة بالعنف والإرهاب، وقد كان الاتصال رسالة للقاضي وتبشيراً له بأن "رأسه سيقطف" كما يتم الآن قطف رؤوس عملاء بشار الأسد!، وكانت ردود القاضي بغاية الهدوء والرزانة، وكلما زاد القاضي حلماً كلما زاد المتصل تبشيراً بقطف الرؤوس والقتل.
إنه اتصال مفجع يدل على خطورة أمر الفكر التكفيري، وهذا الفكر مثل البكتيريا التي تكمن في الأرض حتى إذا جاءت الأحداث السياسية الملتهبة خرج للحياة من جديد ووجد البيئة الصالحة التي من خلالها يعيد ترتيب أوراقه وأفكاره وصفوفه، ويبدأ في عملية استقطاب الأتباع، والتأثير العاطفي عليهم وتوظيف المشهد المؤلم هنا وهناك لتغذية التفكير وصناعة القنابل الموقوتة المستعدة للقتل وقطف الرؤوس، حتى لو كان المستهدف قاضياً أو عالماً أو مثقفاً أو مسؤولاً.
إن الحدث السوري – مع وقوف المملكة معه – يعد من عوامل إنتاج وإعادة إنتاج هذا الفكر الخطير، وقد وصل الحال بهؤلاء إلى استحلال الدماء وقطف الرؤوس بأمور لم يفكر فيها الخوارج الأوائل، فإن الخوارج الأوائل كانوا يكفرون بالذنب، أما هؤلاء فهم يكفرون بالمباح أو بالمشروع مثل استباحة المتصل دم الشيخ القاضي لأنه "حكم" على بعض البنات بأحكام يرى أنه مجتهدا فيها "شرعاً"، فكيف يتسق عقلاً وشرعاً أن يستباح دم عالم أو قاض لاجتهاد في قضية قضائية ينظر فيها بما أراه الله، ويجتهد بغض النظر عن الإصابة والخطأ في تصور المسألة أو في إيقاع الحكم على الأعيان؟ وأي غلو أعظم من استباحة الدماء في مثل هذه القضية؟ وأي درجة من الانحراف الفكري وصل إليه هؤلاء الشباب؟ ومن الذي يقف وراء بث هذه الأفكار وإيصالها لعقولهم وهم إلى الآن لم يدركوا المسائل الشرعية الكبرى وقواعد النظر والاستدلال فضلا عن الجرأة في إيقاع أحكام الردة والقتل على الأعيان بكل برود قلب وترصد وإصرار؟
إن هذا الشاب المتصل مثله المئات من شبابنا الذي ذهبوا إلى تلك المحاضن، لم يذهبوا لنصرة الشعب السوري أمام ما يواجهه من ظلم وبطش، بل ذهبوا وهم محملون بأفكار مؤدلجة وتكفيرية، ولهم أجنداتهم السياسية، أقاموا دولاً يرونها شرعية ويوجبون على الناس الدخول في طاعتها، يتوعدون أهل الإسلام بأن الدور سيأتي عليهم لتقطف رؤوسـهم، وهناك – وللأسف – من لا يزال من الدع،اة من يحرض على الذهاب، بل ويدافـع عن هؤلاء ويعـتذر لهم ويحملهم على الاجتهاد، والحقيقة أن المصيبة في الداعية أعظم من المصيبة بهؤلاء الشباب.
إن الخطأ الكبير في مواجهة الفكر التكفيري هو في أن مواجهتنا له هي "تكتيكية" وليست مواجهة "استراتيجية"، بحيث نتحمس للمواجهة إذا جاءت الأحداث ثم نغفل عنها إذا هدأت وذهبت، ولا ندري ما الذي يجري في الخفاء من استقطاب وتجنيد، وما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات وغيرها من نخر في عقول شبابنا وجرهم إلى بؤر التطرف وأفكار الغلاة، هذا إن سلموا من اختراقات الاستخبارات العالمية التي توظف هذا الفكر لتحقيق أجنداتها السياسية وتوازناتها المصلحية من خلال توجيه الأفكار وغزو العقول والقلوب.
إن الحالة السورية تعد أكثر وضع ملائم للقاعدة لترتيب صفوفها، وإعادة تشكيل خلاياها لتعيد الكرة من جديد في سلسلة من أعمال العنف، وهذا يتطلب وقفة جادة مع تطورات الأحداث، وعناية بالغة من المسؤولين والآباء والدعاة ورجال الأمن تجاه هذا الحدث، والإسراع في معالجة ما قد ينتج عنه من آثار تدميرية عملية وفكرية، وإلا سوف نجد أنفسنا في مواجهة موجة أشد من موجات التطرف والتكفير والتفجير، حمى الله شبابنا من نزغات شياطين الجن والإنس وألهمهم السبيل الراشد وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.