عرفت ولامست من أنواع (الغسيل) في حياتي بضعة أشكال وأصناف مختلفة، كنت شاباً يافعاً ومراهقاً في مسقط رأسي بسراة عبيدة حينما افتتحت أول مغسلة ملابس، وللتاريخ، كان غسيل الملابس (بالأجرة) يومها مسبة وعيباً ومنقصة لربة المنزل في مجتمع قروي محافظ. في المرحلة الجامعية عرفت فكرة (مغاسل السيارات)، وبعدها هاجرت إلى الغرب للدراسة لما يقرب من عقد من الزمن، وعندما رجعت اكتشفت أن (قومي) من بعدي قد ابتكروا بضعة أصناف جديدة لفكرة (الغسيل)، وكان على رأسها فكرة غسيل الأموال. وعندما سمعت عن مصطلح غسيل المال، حسبت بكل غباء أنهم يضعون الورق النقدي في (طشت)، ومن ثم، وبالشعبي الخالص: "هات يا دعك"، تماماً مثلما كانت والدتي يحفظها الله تفعل (بطاقيتي) مع مدخل كل شهر. عرفت أول تطبيق ميداني لفكرة (غسل الأموال) ذات صباح مع الأخ الصديق الغالي، قينان الغامدي عندما جاءنا لمكتبه (معلن) يود نصف الصفحة الأولى من هذه "الوطن" للإعلان عن بيع (جمل) كان يحمل صورته معه ودفع ضعف قيمة المساحة الإعلانية. وبعد مساومة طويلة اعتذر رئيس التحرير، وسط دهشتي واعتراضي على العرض المغري للقيمة الإعلانية لأسبوع كامل، قبل أن أسمع من أبي عبدالله قينان الغامدي جملته الحمراء: يا (سطل) هذا غسيل أموال.
وهنا أعتذر لأنني أسهبت في مقدمة طويلة للتمهيد لفكرة ابتكار من الغسيل قبل أن أكتب لكم عن (غسيل الأخلاق) التي أتمنى منكم جميعاً أن تحفظوا معها كامل حقوقي في اختراع هذا المصطلح. فكرة (غسيل الأخلاق) تظهر بجلاء في النماذج التالية: في أنموذج رأس هرم الإدارة الذي يسرق المليونين من مشروع المئة مليون، ثم يدعو نهاية كل شهر كل موظفي إدارته لحضور الدرس التوعوي الذي يدعو له رمز وطني مشهور شهير بالانتشار والشعبية. فكرة (غسيل الأخلاق) هي (الموظف المنشفة) الذي يمرر من موقعه كل أوامر الصرف والمستخلصات في مقابل (نصيب) معلوم، ثم يدعو زملاء القسم لحضور (إكرامية) العشاء في تكريم الشيخ الفاضل الزائر بمنزله العامر. فكرة (غسيل الأموال) هي أنموذج الليبرالي الذي يتغنى بالأخلاق والقيم للأمانة والنزاهة، مثلما هي أنموذج الذي يضحك على (الجمهور) بلحية طويلة بينما حسابه البنكي يبلغ عشرة أضعاف راتبه الشهري!