المبالغة في "الخصوصية السعودية" في عصرنا الحالي نتج عنها بيئة طاردة ومنفرة حتى أصبح السفر والسياحة العائلية والذهاب خارج المملكة بشكل مستمر من أجل التخلص من هذه الخصوصية هو نمط العيش المفضل للكثير من الأسر السعودية، التي تزداد رغبتها في مغادرة السعودية في كل إجازة حتى لو كانت لا تتجاوز ثلاثة أيام من أجل ممارسة الحياة بشكل طبيعي بعيدا عن العراقيل التي توضع أمامهم بحجة الخصوصية.

لقد أصبحت هذه الخصوصية مصدر دخل لبلدان أخرى ونزيف دائم لوطننا ولميزانية الكثير من الأسر السعودية، وكما يقول الشاعر: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، وحتى المؤيدين للخصوصية السعودية تجدهم أول المغادرين هربا من الخصوصية التي يتشدقون بها ويحتفلون بها داخل حدود الوطن في مشهد يعكس أقصى درجات التناقض.

المتابع لما يحدث داخل المجتمع السعودي يجد أن الدولة عانت كثيرا من المعارضة المستمرة لكل مشروع تنموي له أبعاد تتعلق بالجوانب الاجتماعية والثقافية لحياة الناس؛ بحجة أنه لا يتناسب مع خصوصيتنا السعودية، وفي بعض الأحيان يكون الرفض على وتيرة أقوى وبحجة أنه مشروع تغريبي يهدف إلى تدمير المجتمع والقضاء على عاداتنا وتقاليدنا. وتضطر الدولة إلى الانتظار لمدة من الوقت تمتد إلى سنوات وأحيانا إلى عقود من الزمن من أجل اقتناع الناس من تلقاء أنفسهم وتفاديا لفرض الأمر عليهم بالقوة؛ على ما في ذلك من ضياع وتعطل لفرص مناسبة لتنمية المجتمع، وأحيانا يكون التراجع عن المشروع أو تحريفه أو إخضاعه لتغييرات جوهرية تفقده الكثير من وظائفه التنموية أو إخضاعه للضوابط الشرعية حتى يتناسب مع الخصوصية المزعومة، وهكذا حال الكثير من المشروعات التنموية ذات البعد الاجتماعي والثقافي.

وفي نظري أنه لا يوجد مجتمع بشري استنفد الكثير من مصادره وطاقاته واستهلكها بالجدل حول قضايا حسمتها المجتمعات الأخرى وتجاوزتها منذ مئات السنين مثل ما يحدث في المجتمع السعودي اليوم. فعندما ننشغل بجدل عقيم حول كل قضية ونعطل مسيرة التنمية بالجدل حول كل موضوع، ونتوجس خيفة من كل أمر، ويساورنا الشك، ونكون أسرى لسوء الظن ونقف موقف عدائيا من كل جديد، وننظر إليه على أنه مؤامرة ومخطط للنيل منا والتأمر علينا، ويكون ذلك متبوعا بمرحلة تقديم التنازلات؛ حيث يبدأ المعارضون بعدم الممانعة شريطة أن يخضع للكثير من الضوابط التي تقضي على المشروع وتجعله عملا شكليا لا فائدة منه أو تحويله إلى مسار آخر؛ الأمر الذي يفقد جهود الدولة التنموية الكثير من مضمونها الحقيقي.

التشبث بهذه الخصوصية سوف ينتج عنه الكثير من المشكلات التي تمثل تحديا بالغ الصعوبة للمجتمع السعودي، فها نحن على سبيل المثال نعاني بطالة نسوية مخيفة بسبب الخصوصية التي نتج عنها تعطيل نصف المجتمع وليته يتوقف عند هذا الحد، ولكن المعضلة الحقيقية تتمثل في تناقض أنصار هذه الخصوصية عندما يوجهون سياط نقدهم إلى الدولة التي لم تقدم حلولا لبطالة النساء ولم تدفع لهن رواتب في منازلهن حتى تكتمل الخصوصية، وغالبا ما تكون الدولة التي احترمت خصوصيتهم في حيرة من مطالبهم.

الكثير من الجامعات العالمية والمستثمرين في القطاع الصحي وقطاع الترفيه أحجموا عن الاستثمار لدينا بسبب كثرة طلباتنا غير المفهومة في نظرهم، التي تكلفهم اقتصاديا، وتجعل استثماراتهم محفوفة بالمخاطر، ومعظمها منطلق من خصوصيتنا المزعومة.