كثيرون منّا، إن لم يكن مُعظمنا تضيع أيامه، وتنسل اللحظات من بين يديه كما ينسل الخيط من الثوب، نتيجة بقائه معلقا بين سماء وأرض، بين ماض يتحسر عليه ولن يعود إليه، وبين مستقبل يشغل تفكيره ويحمل همومه لأنه يتساءل دوما: كيف سأعيشه؟! ويمضي به الوقت في التفكير بين أمس وغد متناسيا "الآن" اللحظة التي يعيشها، حتى تنتهي وترحل مع "اليوم" إلى مجرد ذكرى يتباكى عليها!
أقولها بصدق: إنّ الحياة "الآن"، إنها اللحظة التي نتنفس فيها ونعيشها أينما كنّا ومع من كان أو كانت.. في البيت.. في العمل.. وأنت تقود سيارتك أو ترتشف كابيتشينوا.. أو تلاعب أطفالك.. إلخ. هي "الآن" وأنت تقرأ مقالي، لتقول لنفسك يجب أن تعيش هذه اللحظة، حتى لا تضيع منك، مع منّ نريد وكيفما نريد بنبل، وليس كما يرغب الآخرون، فنحن السعوديون بالذات تضيع ثلاثة أعمار حياتنا لأننا نعيشها كما يرغبها الآخرون، لا كما نريد نحن، ولأن الأمس لن يعود، وغدا لا نعرف إن كنّا جزءا من أحداثه أم في عهدة النسيان! مهم أن نعيش "الآن" كما نريد، فالحياة على الأرض واحدة لا ثانية لها.
لكن هذا لا يعني أن ما مضى يتم رميه في "سلة المهملات" وحرقه، وعن نفسي أطبق المبدأ الياباني المتمثل بأن علينا الاستفادة جيدا من الماضي حتى من "نفاياتنا" فيه، بإعادة تدويرها وإنتاجها كمواد خام قابلة للتصنيع "الآن"، وكل تجربة فاشلة ما هي إلا خطوة باتجاه النجاح، فالفشل باختصار أشبه بـ"مضاد حيوي" يجعل من تجاربنا القادمة أكثر قوة ومقاومة، كما لا يعني ألا نبالي بالمستقبل ونغوص في لحظة عبثية، تاركين "غدا" للأقدار كما تؤمن عقولنا أحيانا حتى باتت "الأقدار" شماعة المتكاسلين والمتخاذلين! فـ"الآن" خطوة باتجاه الغد لإعداد العدة كي نعيشه، لكن ليس إلى درجة التعامي الذي يجعلنا مجرد "ماكينة" تنتج أوهاما ظنا أنها أحلام، حتى تسرقنا، فالأوهام لمن لا يعرفها أكثر اللصوص مهارة في سرقة عقولنا وتخدير عواطفنا! إنها تجعلنا في نوم مستمر، عكس الأحلام التي تقرصنا كي نستيقظ لتحقيقها.
يبدو أنها "سكة طويلة" كما يغنيها الصوت الشجي عبادي الجوهر، مع ذلك لا يمكننا أن ننسى بأن الزمن وحده لا يكذب، فهو لا يهبك مزيدا من الفرص "الآنية"، إنه يعبر دون أن يلتفت أو يكترث بنا وراء ظهره، ويكون قاسيا جدا حين يرسم علاماته على وجوهنا في المرآة، كي يذكرنا بعبوره من جوارنا، وبأننا لم نلقِ عليه تحية تليق به، هذه هي الحقيقة، وإن كان كثيرون الآن يجيدون الكذب على "المرآة" بما يجرونه من عمليات شد وتجميل رجالا ونساء، لكنهم لن يستطيعوا الكذب على "الزمن"، إذ سيستمر بإخراج لسانه لهم كلما مروا يتلصصون عليه في وجوههم أمام المرآة!
أخيرا، لقد دخلنا عام 1435، وما يزال " الآن" بين أيدينا كي نختار كيف نعيشه، وكما يقول بوذا المعلم الهندي الروحي:"لا تبقى في الماضي ولا تحلم بالمستقبل، بل وجه عقلك الآن".
وكل عام وأنتم بخير.