لم يعد ممكنا أو مقبولا تجاهل ما يجري من تصعيد خطير في عمليات التخريب. حروب إبادة وقتل بالجملة، وتفجيرات يومية تحصد العشرات من الأبرياء. هذا الأسبوع، يبدو أنه الأكثر عنفا وحصدا في الأرواح والممتلكات. ففيه بلغت أعمال التطرف مستوى غير مسبوق منذ فترة طويلة، شملت مصر وتونس واليمن والعراق وسورية. وتسببت في مصرع عدد كبير من المدنيين، الذين شاء حظهم العاثر، أن يكونوا بأماكن التفجيرات والقتل.

في كل هذه المواقع هناك جنود مجهولون يتصدون للإرهاب بصدورهم، ويصنعون ملاحم البطولة دفاعا عن أوطانهم وشعوبهم، هم رجال الأمن البواسل، وطواقم الهلال الأحمر، والأجهزة الطبية، التي تحاول أن تقلل من الخسائر، وتضمد جراحات المصابين، لكن طوفان الإرهاب العاتي، أقوى من إمكاناتهم.

استفحال هذه الظاهرة، وتصاعدها واستمرارها لأكثر من عقدين من الزمن، في العالم الإسلامي، ومن ضمنه عدد من البلدان العربية، يقتضي صياغة مشروع استراتيجي وطني شامل لمكافحتها. بمعنى استيعابها لمختلف الأسباب التي أدت لاستفحال ظاهرة التطرف، وأيضا القوى المجتمعية المطلوب زجها في المواجهة الكبرى لهذه الظاهرة الخطيرة على الأمن العربي ومستقبله. ذلك يفترض جدلا، أن لا تقتصر المواجهة على خندق واحد، وتدع الخنادق الأخرى مكشوفة دون حراسة. ومع التسليم بأن الحلول الأمنية، هي أمر لا مفر منه، لكون المتوقع منها أن تضعف قوى التطرف، لكنها وحدها ليست بمقدورها سبر غور المشكلة، واقتلاعها من جذورها.

لقد ناقشنا هذا الموضوع قبل عدة سنوات، حين كانت بلادنا ضحية لسلوكيات جماعات التطرف، وأشرنا في حينه، إلى أن المشروع الوطني الشامل لمواجهة الإرهاب، ينبغي أن لا يتقوقع في أوساط النخب الفكرية، بل يزج بطاقات الشعب كله في المواجهة. اتجاه المشروع الوطني لمواجهة الإرهاب، يجب أن يسير من الأسفل إلى الأعلى، فيتصدى للمرتكزات الفكرية والثقافية للتطرف. وضمنها ضروب النشاط الاجتماعي السلبي الذي نمارسه في مختلف الميادين. المرتكزات الثقافية، ليست دائما طافية على السطح، فما هو ظاهر سهل التعامل معه، ولكن الخطورة هي في ما هو كامن، منتظرا فرصته للظهور، بما تسمح به الظروف.

ما يجعل المواجهة مع الإرهاب عملية صعبة، هو أنه عمل تآمري، صفته السرية، والأوامر تصل من القمة، من أمراء الحرب إلى القاعدة، جيل التائهين والمضللين، وهي غير خاضعة للسؤال أو للمناقشة. وما يجعل الالتزام بها سهلا من قبل الأتباع، هي وجودها في مجتمعات منغلقة، تجرم التنوع واحترام الرأي الآخر. إن فكر الإرهاب يتطلب خضوعا كاملا، وتغييبا للعقل، وجمودا في تفسير النصوص، واتهاما لمن يؤمن بالحوار بالهرطقة إن لم يكن بالخيانة، وتقسيم العالم إلى فسطاطين: فسطاط الإيمان، وفسطاط الكفر.

وعندما يتعلق الأمر بموضوع الحوار، فإن قوى التطرف تقف على الجادة الأخرى، ولا تقبل به، ولذلك فلا جدوى من الحوار مع هذه القوى. فالحوار يتم أساسا بين أطراف تقبل الاختلاف، ودلالته المعرفية هي إمكانية الاستفادة المتبادلة من خبرات وآراء المتحاورين. وأنه يعني منهجيا، استحالة استحواذ فرد أو فئة سياسية أو اجتماعية على مجمل القول، دون إتاحة الفرصة للإسهامات الفكرية والآراء الأخرى. الحوار في أساسه تسليم بنسبية الحقائق وإمكانية تغيرها بما يسهم في إثراء المعرفة بحاجات المجتمع وطرق نموه وتطوره.. إنه بمعنى آخر، عمل يهدف إلى تكامل الخبرات بين مكونات المجتمع ويؤهل لمزيد من التبلور والنضج والانفتاح على المستجدات.

لقد أكدت تجربة الإرهاب في العشرين سنة التي مضت، أنه ليس له وطن أو عرق أو جنسية أو انتماء اجتماعي، وأنه عابر للقارات والأوطان. فالتفجيرات شملت العالم الإسلامي من جاكرتا إلى طنجة، وعمت عمليات التفجير معظم أرجاء الكرة الأرضية، لكن معظمها حدث في دار الإسلام. العنصر الوحيد الجامع لهذه المجموعات المتنافرة، هو اتفاقها على تكفير المجتمع، واعتبار أنها في هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، والحديث عن خلافة إسلامية.

منطقتنا العربية حافلة بصنوف الاحتقان واليأس، ومختلف أنواع الكبت. وهناك ارتباط وجداني عميق وعلاقة قوية لا تنفصل بين دول الجوار العربي، في فلسطين واليمن والعراق ولبنان وسورية، ومع دول المغرب العربي. وليس من جدل في أن كثيرا من الظلم والجور الذي لحق بالقضايا العربية، والتحيز غير العادل من قبل الغرب لصالح إسرائيل، واحتلال العراق، وحملات التهديد المستمرة بحق عدد من البلدان العربية، ألقى بظلال ثقيلة على الأوضاع العربية. كما أن فشل خطط التنمية وعجزها عن استيعاب الملايين من الشباب، خلقا بيئة ملائمة لاستقطابهم من قبل التكفيريين.

لقد ركزت معظم القراءات التي حاولت دراسة ظاهرة الإرهاب، على النهج التكفيري فقط، وتناست قضايا كثيرة لا تقل أهمية. إن نهج الإقصاء، ليس فقط حاصل جمود في تفسير النص، واحتكام إلى الخرافة وتسفيه للعلم فحسب، بل هو أيضاً حاصل بنية اجتماعية هشة، تسببت في وجودها عوامل عديدة، ليس أقلها التدخلات الخارجية.

في مواجهة فكر الإرهاب، لا بد من موازنة ثقافية دقيقة تلغي الاغتراب في الجغرافيا والتاريخ، فلا يغوص الفرد بعيداً في أعماق الزمن طلباً للأمان، ولا يتيه بعيداً عن مواطئ أقدامها، ومحط أفئدتها. الأوطان هي الحاضنة الجميع، والدفاع عنها وعن ثوابتها يأتي فوق كل الاعتبارات. وعندها يهزم التطرف، وتبدل ثقافة بثقافة، ونهج بنهج، حيث تحل ثقافة التسامح بديلاً عن ثقافة التكفير والضيق بالرأي الآخر.

في مواجهة التطرف والإرهاب، نصبح إزاء مشروعين: تغليب السيف على القلم، وسد أبواب الاجتهاد والفكر، أو أن نغلب القلم على السيف ونفتح النوافذ والأبواب للهواء النقي. مواجهة الإرهاب ينبغي أن تكون حاسمة، والانتصار فيها يتم بتراجع السيف لصالح القلم، فيهزم فكر الانغلاق، وتفتح الآفاق للعطاء والإبداع.

لا بد من ولوج عصر تنوير جديد، تشارك فيه القوى الواعية والمبدعة والخلاقة في مجتمعاتنا العربية، كل من موقعه. فيمارس الأديب والكاتب والفنان التشكيلي، والأستاذ في جامعته ومدرسته، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، كل من موقعه في عملية النهوض والبناء.