سألت مفكرا سعوديا مرموقا أن يصف غازي القصيبي الذي ودع الحياة وذهب إلى الله فبصره اليوم حديد فأجابني بعد ترو وطول تفكير: القصيبي أكبر من أن نشهد له، وأعظم من أن نرثيه، والمصاب به أفدح من أن يسمح لنا بالكلام عنه، فهو رجل الفكر، ورجل المواقف، ورجل الشجاعة، ورجل الصدق، ورجل التنوير، ورجل الأدب، ورجل الإدارة، له طاقة استثنائية.
إنه حزمة من المواهب... فلو اجتمع الملايين لما سدوا مسده، ولا قاموا مقامه، فالكثرة لاتصنع القدرة..
إنه إنسان استثنائي بكل ماتعنيه الاستثنائية.. رحم الله غازي؛ فالمصاب به فادح والألم بفقده فظيع "انتهى الاستشهاد..
لست من المداحين ولكن من المعترفين، لأن نفس المفكر حين سألني قلت له يجب أن نعترف لكل من سقط كورق الشجر في الخريف بالهمة البالغة والتميز..
ومثلا فلقد اطلعت على كتاب الطرابيشي عن الجابري المغربي؛ فأتى بنيانه من القواعد وخر عليه السقف من فوقه، ولكن هذا لايمنعنا قط أن نعترف للرجلين بطول الباع وسعة الثقافة والحفر المعرفي والصبر في التحصيل؛ فبهداهم اقتده..
وأنا شخصيا حين قدمت دمشق طالبا بحثت عن سعيد الطنطاوي كي أتتلمذ على يده فليس مثل الصحبة تحصيلا للعلم، وهي عادة علمائنا سابقا، كما رأينا في قدوم أسد بن الفرات من تونس، يتتلمذ على يدي أبي يوسف في بغداد، ولم يخرج على المذهب الحنفي فحسب، بل كان مجتهدا راسخا، وأسس مدرسة خاصة به.
والمجتهدون أكثر من درزن في تاريخنا ممن نعرف، والعظام أصحاب المدارس 13 هكذا قرأت؟ ولكن الدولة بتبنيها مذهبا بعينه رسخت مدرسة دون أخرى، كما في التشيع الصفوي في إيران، والمالكية في المغرب، والحنفية عند الأتراك وأهل بوسنة.
في هذا العام تهاوى كثير من الأعلام والشخصيات المهمة ورجال الفكر والقلم مثل البغدادي الكويتي، والقصيبي السعودي، والجابري المغربي، وفضل الله وفتحي يكن اللبنانيين، وحسن هويدي وسعد الدين وعوض السوريين، ونصر حامد أبو زيد وفؤاد زكريا المصريين.
وهم جميعا من مدارس شتى وفصائل مختلفة من التفكير والمذاهب، ولكنهم كانوا جميعا يعيشون لهدف أكبر من وقتهم وذواتهم، وبهذا يتميزون..
لقد كنت في مونتريال في كندا وبجنبي ابنتي أروى أتأمل شجرة عملاقة تداعب أغصانها ريح لطيفة، وتحـت أقدامها تتهاوى أوراق باستمرار، نظرت في الورقة وخاطبتها: أخبريني عن حكايتك من أين بدأت؟ وكيف انقضيت؟ كيف عشت وأين انتهيت؟
قالت لي مجيبة أنا من هذه الأرض أنمو؛ فأتسلق ظهر الشجرة؛ فأبزغ من حناياها؛ فأنظر الدنيا وعجائبها، حتى أذا انقضت رحلتي رجعت من حيث أتيت! فهلا تأملت واتعظت وتمليت؟؟
قلت في نفسي أيتها الورقة الحكيمة أنت عينة من دورة الحياة، كل ورقة مصيرها مصير كل فرد منا ففيها الحكمة البالغة، وكما تبقى الشجرة تغالب الزمن حتى حين، كذلك النوع البشري يحافظ على وجوده مع تساقط الأفراد مهما كانوا عباقرة وعظاما كما وصف المفكر السعودي غازي القصيبي.
ويبقى السؤال الشجرة تعطي دوما أوراقا جددا هم .. هم.. وليسوا هم، أما نحن فسوف نعود كما بدأ الرحمن أول خلق يعيده وعدا عليه هو له فاعل وعليه قادر..
خاطبت الورقة وقلت: هؤلاء الناس ماتوا فظهرت الإعلانات حولهم واحتفل الناس بهم ونشرت الصحف صورهم وقبورهم وصلاة الناس عليهم، ولكن مع كل غروب شمس يدلف إلى القبور 140 ألفا من الأنام من غيرالمعروفين يموتون مع ظلالهم بالغدو والآصال؟ فأين ذهبت يا أبا لطفي علوان يا مروان من بير عجم وأم ذكوان من جيرود وذكوان وتركي الربيعي وعشرات وعشرات لم يعد يذكرهم أحد فلا تسمع لهم ركزا؟؟
ثم تذكرت تولستوي في لحظات النزع الأخير وهو يختتم أزمته الوجودية: والآن أموت مثل أي فلاح روسي؟!!