ثمة وهم اسمه "سقف العالم". هي قناعة واهية تترسخ لدى الإنسان بفعل فكرة الأفضلية المطلقة، من دون اعتبار للاختلاف والتنوع الذي يثري العالم. ولنعرف مدى هذه (السقوفية) علينا أن نفحصها متأملين المنجزات الحضارية والثقافية في العالم من حولنا، خلال القرون الثلاثة الأخيرة على الأقل، حينها سنجد أن العالم مرَّ بأهم وأخطر تطور نوعي في تاريخ البشرية حتى الآن، لكن هذا الأمر حدث في غفلة قسرية منا، وكأن الأمر في ذلك تنطبق علينا العبارة الشهيرة للشاعر الفرنسي (آرثر رامبو): "حين استيقظتُ.. كان العالم في الظهيرة"!
خلال هذه الفترة التاريخية الطويلة، كانت منطقة العالم العربي (والتي اكتسبت اسمها هذا من الزعيم الفرنسي ديغول) تقبع تحت أسوأ استعمار على الإطلاق، وهو الاستعمار التركي العثماني الذي أسهم في تكريس التخلف الموجود، واستنزف الإنسان والثروات الطبيعية؛ ذلك أن العثمانيين أصلاً لم يكونوا سوى محاربين أشداء قدموا من آسيا الوسطى، واستقروا أخيراً في منطقة الأناضول، ولم يهتموا خلال بقائهم فيها بجوانب الحضارة سوى بجانب محدد واحد هو العمارة، مستفيدين ربما من الإرث الحضاري البيزنطي في القسطنطينية.
ومن يعد لتاريخ الحضارات فسيجد أن قوة التأثير تأتي في تطور الحضارة إلى جانب تطور الثقافة في ظل بروز العقل البشري كعامل رئيس ومؤثر في هذه المسيرة التي يبرز فيها النقد، والانفتاح، والاختلاف، والجدل، إذ إن رصيد كل حضارة يعتمد على مدى فاعلية الفكر فيها، فتنوع الأفكار يقود إلى نتيجة مهمة وهي الثراء المعرفي والإنساني، إذ إن كثيراً من فوائد الفكر تنحسر إذا لم تكن ذات عقلانية تقود إلى اتخاذ قرارات صائبة وصحيحة، إذ إن وهم الأفضلية يؤدي إلى الانعزال والانكفاء، وبالتالي إلى التلاشي الحضاري.
تعاني الثقافة العربية الإسلامية من معضلات كبيرة بلا شك، ولا يمكن لأحد أن يجعلها نقية كبياض الثلج، غير أن التوهم بأنها "سقف العالم" هو قناعة ترتكز على "تبرئة الذات" ورفض الاعتراف بوجود السلبيات والعيوب، وهذه الطريقة في التفكير هي خدعة العقل الخامل والمفلس لتحقيق التفوق المعنوي، في ظل تدني المنجز الحضاري والثقافي الذي يمكن به أن نتقدم لمواكبة العالم المتحضر؛ ولذلك كانت هذه الخدعة تقوم على تكريس "دونية الآخر" سواء في الجانب العرقي أو الديني أو الثقافي بشكل عام، وتسهم في فصم عرى التواصل الحضاري والإنساني عبر المشتركات المهيّأة تاريخياً، فحينما يحيط الإنسان نفسه بدائرته الخاصة المغلقة فهذه إشارة إلى رفضه الدوائر الأخرى، وبالتالي تتحول هذه الدائرة إلى ما يشبه السجن والانعزال الاختياري.
ثمة أمثلة حضارية حاضرة على تجربة التحديث ومواكبة الحضارة من جهة، والانعزال والانغلاق من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال: اتخذت أفغانستان وإيران منذ عشرينات القرن الماضي تجربتين جريئتين نحو التحديث والتطور، وقد عاشت هاتان الدولتان عصريهما الذهبيين خلال هذه الفترة، إلا أن الاحتراب السياسي، واختلافات المصالح السياسية أسهما في القضاء على تجربتين من أهم تجارب التحديث والتنمية في العالم الإسلامي في تلك الحقبة، ثم بدأت الدولتان في مرحلة جديدة من الانهيار الحضاري السريع والمدوي، والدخول في نفق مظلم من التخلف ضمن صبغة دينية عدائية للعالم الآخر المتقدم، وهذا ما أنتج أجيالاً جاهلة رزحت تحت سطوة الحرب والتشتت والجهل والفقر في أفغانستان، وتحت سطوة رجال الدين المتعنتين في إيران، محاولين فصل هذه الأجيال عن واقعها وإبقاءها في دائرتها الضيقة التي لن تدوم إلى الأبد.
أما بالنسبة لتركيا الحديثة وريثة الاستعمار العثماني، فقد انعتقت من إرثها الثقيل من خلال تجربة التحديث التي-رغم أخطائها- أبقت تركيا خلال ثمانين عاماً قوية حتى يومنا هذا، إلا أن الأمر كما يبدو لي قد يتغير خلال أقل من عقد إذا ما سيطرت القوى الدينية المتطرفة على السياسة، على الرغم مما يوصف به الواقع التركي اليوم من اعتدال، إلا أن القادم لن يكون أجمل ربما بالنسبة لها، إلا في حالة واحدة هي نجاحها في الدخول ضمن دول الاتحاد الأوروبي، وهذا أمر صعب حالياً.
أما بالنسبة للعالم العربي فإن الصمود الحقيقي أمام الانعزال والتلاشي هو اختبار تجربة التحولات الحالية في ظل الإصرار على مدنية الدولة، واستثمار التأثير الإيجابي للجانب الاجتماعي بوجه الانغلاق والانكفاء، والسيطرة على خطر إيديولوجيا الجماعات الدينية الذي يتهدد العقل الجمعي من خلال وهم النقاء الذي تفرزه صورة "سقف العالم"، التي هي ليست سوى وهم!