يدق دقاته الثلاث المعهودة، مع خفوت آخر ضوء للواقع، لتحملك بدويها المتسارع مع دقات قبك النابض، فتحيلك إلى وهم رائع، ومتنفس وصفه أرسطو بأنه التطهير.
تلك لحظات بين الواقع والوهم، حين تدق نواقيس بداية العرض المسرحي والساترة تجر أذيالها معلنة البداية، وفي عتمة الصالة ـ وقبل بداية العرض بدقائق قليلة ـ تفصل الحالة عما هو واقعي ومتوقع، وتأخذك إلى عوالم من الوهم اللذيذ والممتع، وإلى لحظات من الوجد، إما إلى اللذة أو إلى الكدر، وفي كلا الحالتين نشعر باللذة، من فرط تخلصنا من ذواتنا وولوجنا في أيهاب شخوص نتحد معها ونعايشها، فنسبح في ملكوت من الخيال الحر في الفضاءات الرحبة، وتلك هي مهمه المسرح في تخليص الروح من مثاقلها وهمومها اليومية والحياتية "المتعة".
أين المسرح اليوم؟ هل من يخرجه من غفوة الموت الأخيرة؟! كما غفا المسرح لدى الرومان عندما تحجرت رؤوسهم، وسعوا نحو الفنون العضلية والجمادية دون الفنون الحيوية، فغفا المسرح لديهم، فلا ينقذه سوى عباقرة اليونان المستعارين خلسة، فلنر الحتمية التاريخية لندرك كنه حيوية المسرح.
لم يكن في روما جامعة واحدة تؤمن العلم والثقافة لأبنائهم، فقد كانوا يرسلون الشباب للتعلم في أثينا. وقد برع الرومان في القانون، لكن ثقافة النقد والشعر والمسرح جافت رؤوسهم، فيقول شيلي في سياق حديثه عن العلاقة بين انحطاط الشعر والفوضى الاجتماعية: "نمت في روما القديمة في دوائر أضيق. لكن مظاهر الحياة الاجتماعية، وأشكالها لا تبدو مطلقا، إنها كانت مشربة بروح الشعر تماما. الظاهر أن الرومان كانوا يرون في الإغريق أنهم خزائن غنية بالمعرفة الخالصة، وأنهم صوروا المجتمع والطبيعة، وأنهم أحجموا عن إنتاج شيء في لغة الشعر أو المسرح، في حين أن عليه أن يعمر عامة التركيب الكلي للعالم. لقد ضاعت مخلفات أنيوس وفارو وباكوفيوس وأكيوس، وكلهم من أكابر الشعراء. إن لوكرتيوس مبدع بأجل المعاني، وفرجيل كذلك، إن رشاقة التعابير المنتقاة في عمل الأخير له عصاب من النور يحجب عنا ذلك الصدق العميق الفائق الذي يحف فكره عن الطبيعة، وإن ليفي لينضج شعرا. على أن هوراس وكايولوس وأوفيد وبقية أكابر كتاب العصر الفرجيلي بوجه عام، رأوا الإنسان والطبيعة في مرآة الإغريق. كما أن مؤسسات روما ودعائمها كانت أقل شاعرية من نظائرها في بلاد الإغريق كالظل (أقل عن المادة وضوحا) تلك هي صبغة الثقافة عنما تضمحل لدى شعب ما اضمحلَّ الشعر والمسرح.
وذلك هو ما جعل الرومان ومن بعدهم كتاب عصر النهضة ينهلون من معين الإغريق؛ لأن طبيعة التلقي تتحتم تلك الحميمية والمتعة واللذة في الواقع الثقافي، وهو ما نبحث عنه اليوم في ظل ثقافة العولمة أو العالم المسطح، الذي يجبر الفرد أن يكون ذاتا واحدة حائمة غريبة في عالم مسطح مفترض، فيفقد الهوية والانتماء وهنا تكمن الخطورة! ولذا فقد قام نقاد وكتاب عصر النهضة على تلمس طريق الأنس في الأدب الإغريقي إيمانا منهم بمدى ملامسته لدواخل الذوات، فقد قال شيشرون عن أدب شكسبير إنه" لاتينية ضئيلة وإغريقية أضأل" وقد تمزق هوراس بين إنتاج أدب قومي له بريق وبين عظامية الإغريق وأدبهم، إلا أنه في نهاية الأمر يقر بذلك فيقول: "وهبت ربة الشعر الإغريق النبوغ وحبتهم بالمقدرة على صياغة الكلام المكتمل التنغيم؛ لأن نهمهم الأول كان للمجد. أما صبية الرومان فيتعلمون كيف يقسمون المآسي إلى مئة جزء بمسائل حسابية طويلة"
وهنا تكمن اللذة أو المتعة حينما نقارن بين عمل يهدر هدرا بين الضلوع منساب من موهبة فطرية، وصدق في طلب المجد الثقافي بدافع الغيرة على الثقافة والمحبة لها، وللتفوق المعرفي الذي يبعث على الزهو لحضارة تعتمل فيها عناصر القوة والبطش وجموح المشاعر نحو القسوة والغلظة، ولذلك توسل الرومان بالفن الأرقى شديد الرقة لبث عناصر الأنس في حضارة جلفة ومتناهية الغلظة، فالمصارعة وافتراس الحيوانات للمخالفين للقانون أمام النظارة، ومجاري التقيؤ بجوار موائد الطعام؛ ليفرغ الفرد معدته كي يأكل المزيد، هى أشياء لا تهيئ الفنان للتفرد بما يشحذ الرقة والعاطفة التي كان يتمتع بها الإغريق، فإذا كان الخطاب يتطلب تفوقا في هذه الحضارة الصادرة، فإن عليهم إذا التوسل بالخطاب الإغريقي وبالمبدعين الإغريق، وبما أن الشعر هو الدعامة الأولى لفن المسرح، فإن ذلك لم يمنع الرومان من الاهتمام بالشعر والشعراء وبالمسرح بعد ظهور أول شاعر روماني "أنيوس"، الذي عدّه الرومان أبا الشعر الروماني، كما ظهر في تلك الحقبة الشاعر والناقد "لوكرتيوس"، الذي كان يحتقر شعر كل من سبقوه من الإغريق، فماذا نحن فاعلون؟!
يقول حمد بن عبدالعزيز: (إذا أردت أن تعرف مدى تطور وتقدم أي شعب من الشعوب، فابحث عن فنانيه ومبدعيه؛ كي تعرف مدى اهتمام هذه الدولة أو تلك بالفن، فكيف إذا كنا نتحدث اليوم عن "أبو الفنون" ألا وهو المسرح).
وهذه حقيقة، إضافة إلى أننا إذا أردنا البحث عن ظروف أي دولة بمحاورها السياسية والاجتماعية والثقافية والفلسفية والاقتصادية في حقبة زمنية معينة، فعلينا أن نبحث في المسرح، نحلل نصوصه وندرس إبداعه ونخرج منه بكل صيد ثمين. وذلك لأن المسرح شفاف لا يكذب، فالمسرح هو ريشة التاريخ على جدار الزمن، دون كذب أو مواربة، فربما يكذب مدونوالتاريخ، إنما المسرح لا يكذب!.
يقول إسماعيل عبدالله ـ رئيس مجلس أمناء ـ الأمين العام للهيئة العربية للمسرح:
"أول الغيث كلمة وأول البشائر مسرح يهيم في عالم الصورة؛ كي يقبض على خيالات، وجمل متحركة لا يقدر على امتلاكها أحد، كالقابض على الجمر وهو يروي سيرة تاريخ مر من هنا".
لم يكن المسرح أول البشائر سيدي، بقدر هو البشارة ذاتها، إنه ساعي البريد حين تتشقق قدماه لتصل الرسالة إلى كل بيت، فيحول الجمع من الوهم إلى الحقيقة، من الغفوة إلى الوعي، ومن الاسترخاء والترهل إلى استثارة وجدل يزهر ليطرح ثمارا بنكهة عنب حلو وأحيانا أخرى بنكهة الحنظل. وعلى أي حال فعبق الياسمين هو ما يغلف أجواءه أيما اختلفت النكهات.
هل يولد المسرح من جديد، فارسا مغوارا نحمله على اكتافنا لحظة ألقه وفوزه ونبوغه ونبراسية فكره، علنا نحضر زفة مولده بكل طقوس وأغاني وأهازيج العادات العربية المختلفة؛ لنسميه ونذبح له العقيقة، ونطلق ساقيه للريح يمتطي طهوة التاريخ!.
ولكنه حتى هذه اللحظة لم يولد بعد! بالرغم من أن العروبة ولادة خصبة تنتج كل حين فارسا، إلا أنه الآن في غرفة الإنعاش!