يقول طاغور: "لا تبك الحاضر فالماضي هو كل ما تملك". انعتوها بما شئتم: سيرة، مكاشفات، ترجمة، اعترافات، مذكرات، يوميات. هي غوص رومانسي في أعماق الذات والذاكرة، وذلك ما فعله صديقي المؤرخ الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة في الجزء الأول من سيرة حياته، التي ترصد وتدون سنواته المبكرة التي تنتهي عند بلوغه الخامسة عشر من العمر، هو ينكر أن يكون في هذه المذكرات باحثا تاريخيا وإنما واصفا لحياة "المرحلة"، ولكن القارئ لتلك السيرة وفضاءاتها ونسيجها المتشابك، وما يرشح عنها من إيقاظ ما هو دفين وكامن في الذات، وما يتلبسها من رؤية حميمة واشتغال فاتن على الأرض والإنسان، والكشوفات الطينية المدهشة، واستلهام الروح الشعبية والمنحنى الدرامي من الفجائع والأحزان والأفراح، وما أفضت إليه من مواقف ورؤى وواقعية يجعلها "تاريخا"، جاء في طاقة تعبيرية عالية وسحر لغوي رشيق، وبراعة وصفية تتمازج مع زفرة الروح التواقة.

تصورت صديقي أبا خالد في تلك السيرة يجلس على "الدبَبْ" وهو كنبة العصر الحديث، ويمد ساقيه ليتدفأ على حافة "الصلَل" وهو موقد الجمر، وقد ارتدى ثوب "المُبْرَم" أو "البَفْت"، واعتمر "المِصْنَف" وزين رأسه "بالغُرَارَة" وهي مجموعة مختارة من الرياحين، وتطيب بـ"التناصري أو الجاوي"، ليروي ويحرك تلك الأحداث، في رصد خصب وعوالم مثيرة حرك موجوداته في مشهدية سيرية وتدفق أخاذ، وإحاطة بصرية ملموسة.

لقد تحكم الدكتور بمنطق السرد، فلم يقع فريسة الحيرة بين "الواقع والمتخيل"، وإنما استجاب للواقع قبل أن يتفلّت من ذاكرته، فالأحداث والأمكنة والناس هم أبطال تلك السيرة الرهيفة المشبعة بالحنين والشعور بالانسحاق والمرارة عند فقدانها. هي سيرة ساخنة تشي بعمق مرحلة الطفولة واتساعها وقسوتها وندوبها، ولكن الدكتور في مراياه حاول ألا ينعتها بالتعيسة، بل جعل الحياة ـ من خلالها ـ ممكنة بكل ميراثها المشحون بالألم واليتم والفجائعية، فسعى للمصالحة معها والالتحام والتماهي مع عطاياها الضاغطة وعنفوانها المعاش، واستوعبها بفيض موفور من الإرادة والتحدي ورجولة الطفولة.

لم تعجز لغة السيرة والسرد بهدوئها وحيويتها وغواياتها عن أن تجعل ملامح تلك المخلوقات تتراءى أمامك، ومساربها وأنواتها في الدار والحقل والمرعى والدروب في أيامها ولياليها، في ريها وعطشها ورغائبها، في محمولاتها من الأحلام والآمال والتوق الناعم.

لم يستكن الدكتور في سيرة طفولته وبوحه الشفيف لنبرة المستسلم والمحاصر بعذابات الذات وقهر النسق الاجتماعي وصرامته، ولكنه أشعل بأصابعه مشاعل الحياة ضد الخذلان والعجز والانكسار.