إن من مفارقات القرن العشرين المضحكة المبكية ما يحدث في مصر الآن من وجود تناغم غريب مع دولة إيران، وفتح أبوابها للسياحة والزيارة والتوغل والتعايش مع دولة ما فتئت تناوش وتزرع الفتن في الأراضي العربية والإسلامية وتراوغ كالثعلب، بل أشد مكرا، زاعمة بتصرفاتها الرعناء أنها أم الثورة الإسلامية الحقة، والسيدة الأولى من بين الدول في حربها المزيفة ضد أعداء الإسلام، متخذة كل ذلك مطية للوصول إلى أهدافها الواضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار.
ومن أمثلة تناقضات هذا العصر أيضا ما حدث في مصر قبل أشهر، حيث اتجهت حكومتها إلى تبني حوارٍ فاشل بمباركة وتأييد من دولة إيران مع الأسد الظالم الغاشم. ويضاعف مكمن الغرابة هنا والتناقض أن هذه الحكومة المصرية لم تأت إلا من خلال ثورة شعبية ملّت من الظلم والفقر والاستبداد، فانتفض الجميع لإسقاط الرئيس حسني مبارك. وعندما يقارن أي عاقل منصف بين الرئيسين حسني مبارك وبشار الأسد فإنه لن يخطئ عندما يجعل الأول عادلا إذا ما قورن بالأخير، إضافة إلى فقدان بشار الأسد لكثير من معاني الإنسانية، حيث رأى العالم أجمع وضوح ذلك في قتل الأبرياء والشيوخ والنساء والأطفال، والتمثيل بالأموات بعد قتلهم، إلى درجة أن فئة من جنوده جعلوه كالإله في مقاطع كثيرة يندى لرؤيتها جبين كل ذي ضمير إنساني. وهذا دليل آخر - وإن كان تم إفشاله وإسقاطه - على أن الإخوان المسلمين في مصر الحالية لا يتوارون في إعلان ميولهم والوقوف ضد الثورة السورية، وإلا فليس من معنى لتبني مشروع حوار بين القاتل وذويه إن لم يتضمن هذا الحوار المطالبة بدم القاتل أولا رغبة من ذويه ثم الحوار.
أكتب هذه الكلمات وهاتفي يئن من كثرة أخبار الهرج والمرج في الشام العزيزة على قلوبنا. وأتعجب والله أيما تعجب من حكومة مصر.. البلد العزيز على قلوبنا، حيث ليس ثمة تقارب في العقيدة أو النسب بينها وبين دولة إيران، حتى مالت وتفاوضت وتناغمت معها لإيجاد صيغة للحوار بين من قتل وشرّد وهجّر وفجر بأعراض أخواتنا وبناتنا في الشام، وحتى فتحت لها الأحضان للسياحة والزيارة والتعايش مع ما عرف عنها وعن فن زراعتها للتنظيمات في كثير من البلدان كحزب الله وكالحوثيين وغيرهما. ليس ثمة إلا ألم يعتصر قلوبنا من صدمات ومواقف تشير إلى مزيد من الخذلان وسكاكين القهر تغرز رؤوسها في أجساد مشاعرنا المهترئة من كثرة متتبعي المصالح وبائعي الضمير. أكتب ويكتب غيري ويقرأ ويشاهد الملايين الذين لا يجد كثير منهم أسبابا عقلانية لميول الإخوان المسلمين - الذين جاءت بهم الثورة - إلى هذه السياسات التي لم تكن في الحسبان بالنسبة لمواطن عربي مثلي على الأقل.