لم يخطر ببال بشر، ذلك النوع من جس الهاجس المترامي الأطراف بدواخلنا، ونحن نغرد بأول كلمات ننطقها من شفاهنا (أب، أو أم، أو جدة) فنصدح صدح الطيور المهاجرة في سماء الوطن.

لم يذق طعم حب الوطن غير أولئك الذين ذهب بهم الزمن مع تغاير الأمكنة إلى حدود بعيدة، فعرفوا معنى كلمة وطن!

حينما تغادر الوطن وتسير في الطرقات فترى عوالم غريبة لم يعهدها ناظراك منذ قبل، حينها تعرف معنى الوطن. وحينما تسير ببطاقتك الشخصية فلا يعترف بها أحد ويقذف بها في وجهك لأنها غير مدونة في حاسوبه، حينها تعرف معنى الوطن. حينما تتألف بإبداعك وابتكاراتك وتسبح في بحر من الأمنيات التي قد تتفرد بها عن سواك في تلك البلاد، فيسأل عن هويتك، ثم يزم شفتيه كفوهة قربة يابسة، ولا يعيرك اهتماما، لأنك لا تحمل نفس بطاقته الشخصية، حينها تعرف معنى كلمة وطن! حينما تتجول بين البلاد فتوقفك المنافذ ويُنثر كل شيء في محفظتك وقميصك وملابسك الداخلية والخارجية وعربتك وحتى خصلات شعرك، حينها تعرف معنى الوطن. حينما يقف شرطي المرور على رأسك فجأة يسأل عن هويتك وعملك ومن أين أتيت وإلى أي اتجاه تسير، حينها تعرف قيمة الوطن.

وحينما تقف على باب المتحف الوطني بالرياض ولأول وهلة بعد غياب طويل في دهاليز العالم الموحش، تدمع عيناك شوقا ولهفة، لأنك تلتقي الوطن.

فماذا تعني إذا كلمة وطن؟ وهل نفهم مصطلحها؟ وهل نستجوب آفاق عقولنا الرحبة والضيقة في ذات اللحظة عن ما هو الوطن؟

سألت إحدى تلميذاتي، وهي خريجة جامعية ومتفوقة وانتهت من تعليمها الجامعي وبدأت تعمل في إوار العمل المهني المهلك والمبدد للطاقة لمن لا يستثمرون عقولهم. وأنا أصف لها لقائي مع التاريخ، تاريخنا الذي لم يخلق مثله في البلاد، وذلك على عتبات المتحف الوطني بالرياض، فقلت لها جلست على الأرض وتحسست الماء المتدفق على عتباته، وتحسست أوراق الشجر، وخشونة الحجر، وكل شيء يدب في أركانه، وأول شيء فعلته قبل الولوج إلى ردهاته أنني جلست على الأرض لبضع دقائق أبكي، لماذ؟ لا أعرف!

فجاوبتني هذه الشابة والتي اكتشفت أن مثلها كثير من الشباب، وقالت وما الذي فعله لنا الوطن؟!

حقيقة فغرت فاي حتى تمزقت أشداقي من هول الكلمة، الوطن ماذا فعل لنا؟!

كلمة صادمة ومهولة لا يستحملها أمثالي ممن سبحو في ثنيات حبات الرمال المنعشة ونسمات عبير يتفتق عنها المخ والعقل والوجدان ولها دون سواها. كلمة صادمة لأنني تجولت في كثير من بلاد الله ورأيت كيف يُبنَى الوطني في نفوس شبابه، وكيف تتجذر الوطنية في نفوس الشباب قبل الكبار، وكيف أن الدول لا تقال أو تزال إلا إذا تساءل أهلها عن مدى أهميتها (فلا تسقط الدول لقلة حماتها، وإنما تسقط عندما يتساءل حماتها عن جدوى حمايتها). ويا ليتني لم أسأل أو أجب فتاتي التي كشفت لي الغطاء عن جهل معرفي عن معنى الوطن. وتحدثت معها طويلا لكي أفهمها أن الوطن يختلف كثيرا عن الحكومات، فمن الواضح أن مفهوم الحكومة والوطن لديها ولدى الكثير ممن سألتهم مختلط لدرجة الذوبان، فمن رضي عن الحكومة رضي عن الوطن ومن سخط على الحكومة سخط على الوطن فهما بالنسبة لكثير ممن تحدثت معهم شيء واحد لا يستطيعون التفريق بينهما!

من هو المسؤول عن تدني هذا الحس الوطني؟! وما أحوجنا إليه في مثل هذه الأيام! خاصة أن الله قد أنعم على هذه البلد بحاكم يخاف الله ويحب شعبه ويعمل على استقرار هذا الوطن في ظل تقلبات هذا الزمن المخيفة. من الذي يدس السم في العسل، ويغيب وجدان أبنائنا، ويغرقهم في دوامات تأخذهم بعيدا عن حب الوطن ومعرفة معناه، والتقلب بين أحجاره حتى ولو كنا حينها حفاة عراة؟ فلا شيء يعدل كلمة وطن.

ولم ينته الأمر عند تلك الفتاة، بل امتد إلى أحد الرجال المفروض أنه من المحسوبين أنه قد طاف أرجاء وأنحاء بلاد الله شرقا وغربا، عندما دار نقاش حول الأمة والوطن، فأجابني بأن ليس مهماًّ الوطن في سبيل وجود أمة. فالأمة أهم وأكبر لديه من وجود وطن! (الأمة شيء والوطن شيء آخر سيدي!).

فما معنى كلمة وطن؟

مكان تعيش بداخله ويعيش أكثر هو بداخلك، مكان تستمتع وأنت تمشي على أرضه، فتفخر أنك منه، تحب أهله لأنهم أهلك. مكان تعشق ترابه وتدافع عنه بدمك ومالك وبنيك. مكان تحس فيه بأصالة أجدادك وتراثهم. مكان فيه تشعر أن أديم أرضه من جلد أجدادك وتاريخهم هو تاريخك. وطنك هو وبكل بساطة من يتلازم اسمه باسمك في بطاقتك الشخصية، فلا أهمية لاسمك ولا لعلمك ولا لأي شيء تدونه، ولا لأي عمل أو فعل تقوم به مهما كبر أو صغر بدون بطاقتك الشخصية. تلك الورقة الصغيرة التي نحملها في ثنيات جلد قديم تحمل جينات التاريخ دون أن نعلم معناها!

يقول محمود درويش في أحدى قصائده: (فلتأذن لي بأن أراك وقد خرجت مني وخرجت منك، سالماً كالنثر المصفى على حجر).

كيف نذكي الوطنية ومعناها في نفوس شبابنا في وقت تسعى فيه نظريات العولمة لمحوها، فالهدف الأساس في نظرية العولمة هو محو الهوية، وهذا مدون في وثائقها، (محو الهوية، والقومية، وموت الجغرافيا والتاريخ)، وللأسف أن هذا الفكر يطوف كطوفان "تسونامي" بين شبابنا اليوم دون أن نعلم، وفي دبيب خفي لا يشعر به أحد منّا! فوالله لولا وطنية أجدادنا لما كان هذا الوطن شامخا أبياًّ نزهو به في بطائقنا الشخصية.

كلمة تختصر موسوعات ومجلدات وتاريخا عمره عمر الدهر، تتسعنا ونتسعها في ثلاثة حروف (وطن).