وظف الروائي عيسى مشعوف الألمعي كل ترميزاته وتوليداته السردية، لتلتقط حواسه نزيف الأرواح المثقلة بالهزيمة والنزق والأحلام المجهضة، والإمحاء الوجودي والأماني المقموعة والانكسارات المتوالية، تكشف رواية "ضعيف الله" عن عوالم متشظية تبحث عن الخلاص والانعتاق من قبضة الفشل وكبح الخراب الذي يحيق بتلك الأنوات المتآكلة والمستلبة، تحت مطارق الهلاك والعدم والتوتر، أوقد مشعوف اللذة المنطفئة في بداية العمل، ليتداخل مع الحسي والمرئي من الشخوص، وليملأ الأحداث بالحضور الإنساني واستكناه مدارات حياتها، وما تختزنه من علائق وسمات تكوينية، "زهراء عجوز عقيم جاوزت الثمانين من العمر، حدباء الظهر نحيلة الجسم كالمومياء الفرعونية، تتوكأ على عصا تغير لونها إلى السواد من ملامسة الحناء الأسود". معيض الغبي "والذي طلق أبوه أمه "ختمة" ثم هاجر إلى المجهول وكان آخر ما قال لأهل القرية وهو يرحل عنهم: لا تسألوا عني سوف أرحل من هذه الأرض فإما غربة وإما تربة". خالد الملتزم "طيب مثقف درس الشريعة واهتم بالوعظ والنصيحة، وجهه ينم عن الصفاء والتفاؤل، يبتسم دائماً ويقول: "إن الحياة كالظل الزائل "يكره اليهود والنصارى والعلمانيين ويتمنى زوالهم من الأرض "ولكن بطل الرواية "جابر" هو الجرح الناغر والإحساس الراعف بالدونية والاغتراب والوحشة والحصار النفسي، هو مضخة المكبوتات والذات المأزومة بكل متطلباتها الحياتية وبوحها الحلمي ورغائبها المطموسة، هو الحكاية العصية على الاختراق لما في داخلها من التناقض والتعقيد والغموض والزيغ والعلائق المتداولة بينه وبين المضمر من شخوص الرواية، بكل ملامحهم الغرائبية والغرائزية والنفعية، والانفلات والتمرد والضعف والهوان والدروشة والانسحاق والتهكم والسخرية، الرواية بكل مفاصلها وأحداثها وتدفق سردها وتنامي إسقاطاتها وتداخل واقعيتها مع حكائياتها، تنسجم وطبيعة الواقع المعاش، من حيث البطالة والفقر والغربة وترييف المدن والهجرة والتعبير عن لا معقولية الواقع، حين يقسو ويقهر ويتسربل بالإقصاء والتجاوز غير الإنساني، ولذا يصعب أن تجد في الرواية ما يبهج في حياة أولئك البشر، فهي تلامس المناطق المعتمة والملتبسة وتصوغ رؤيا نافذة للممارسات المحسوسة من السلوكيات البشرية المستبطنة داخل تلك الشخوص "ريعة – شريفة – حالية - مروعي الملثم - زاهر الأبيض - قصير الأعرج - قهوة نجيب اليماني - كعمان السارق - محلية - عمشة "وغيرهم ممن عبروا الفضاء الروائي والأماكن المفتوحة في الرواية، مما منح المكان الروائي "قرية ذات الحلى" بعداً توثيقيا وفضاء دلالياًّ يحيل إلى الشعور المتفاقم بالفجيعة وتعرية المناخ السائد، والالتفات لما في جوف تلك الديار الطينية البائسة، من أسرار وأحلام وعذابات مضنية.