لماذا نحن نعشق التعري إعلاميا أمام العالم؟، أليست هناك طريقة أخرى نثبت من خلالها طهارتنا إلا بعرض عوراتنا على الملأ حتى تتفحصها باقي الأمم؟، ها هو العالم من حولنا يبدع ويبتكر وينتج الأدوات المعقدة والتقنية المتطورة لتسهيل الاتصال بين البشر، ونحن نستهلك كل هذا الإنتاج في شتم بعضنا البعض، هذا يشتم ماضي الآخر، والآخر يسفه حاضر هذا ووجوده، والاثنان كلاهما يدوسان على كل معتقدات الآخر وآرائه وحتى أحلامه، نسير بمبدأ وحيد "إن لم تكن معي فالنار مثواك ومثوى المخالفين".
"لولا أن محمدا خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابة نبي، ولكل صحابي ميليشيا".. من يشاهد الحروب الإعلامية التي يعاد تكرارها حول "معاوية وعلي"، رضي الله عنهما، سيدرك فورا أن الشاعر "محمود درويش" قد أخطأ في البيت أعلاه، فرغم أن محمدا – عليه الصلاة والسلام- هو خاتم الأنبياء إلا أن هذا لم يمنع العصابات من تنظيم نفسها كميليشيات تقف خلف الصحابيين الجليلين "معاوية وعلي"، ميليشيات تحزبت لإحياء ماض تليد لا هدف منه إلا تشتيت الأذهان عن البناء في الحاضر.
قالوا: معاوية هو سبب تفرق المسلمين حتى اليوم!. فأي أمة هذه التي لا تستطيع لم شملها طيلة 1400 عام؟. ها هو "هتلر" قد أدخل ألمانيا في فتنة أشد وأنكى من فتنة معاوية، حتى تكالبت الأمم عليهم، ولم ينته الأمر إلا بحرب عالمية، ثم ـ وفي بضع سنين ـ لملمت ألمانيا شملها وتفرغت للبناء في الحاضر بكل إصرار، بينما لا نزال نحن نضع لوم تخلفنا على حدث وقع في الماضي البعيد، نلطم عليه إلى اليوم كالسكارى. صحيح أنه لا وجه للمقارنة بين الحدثين، إلا أن العبرة هنا بكيفية تعامل أمتين مع النكسات.
إننا حين نتحدث عن "معاوية وعلي"، رضي الله عنهما، نتجاهل عن قصد أو بلا قصد أنه لا سبيل لبناء حضارة -أي حضارة- إلا بالدماء والصراعات الأليمة، هذه هي سنة الله في الإنسانية: "إن طريق التقدم مملوء بالصخور"، والتاريخ شاهد على هذا، بدءأ من قابيل وهابيل، وانتهاءا بهذا الربيع العربي، صراعات تتلوها صراعات لا رابط يربطها إلا قانون ينص على أن نعيم الأبناء لابد أن يبنى على دماء الأجداد. برغم كل هذه الحقائق نصر على رفض فكرة أن الصحابة بشر، يسري عليهم ناموس الله في الإنسانية، نرفض مجرد الاعتقاد أنهم يختلفون ويتآلفون ويتقاتلون وينزفون، إن الله لو أراد لنبيه –عليه الصلاة والسلام- صحبة توافق خيالاتنا لأنزل له ملائكة السماء!
إن ما كان بين "معاوية وعلي" دليل على بشريتهما، لأن الصراع الذي خاضاه قد توارثاه عن أسلافهما، ثم ورثناه نحن منهم بالتتابع، وبدورنا سنورثه إلى اللاحقين. إننا مفتونون بالصورة العامة للحضارة الإسلامية دون التدقيق في التفاصيل الصغيرة التي تتكون منها الصورة العامة، تلك التفاصيل مملوءة بالدماء والصراعات والتصادمات، وصراع "معاوية وعلي" ليس إلا جزءا من آلاف الأجزاء التي تكونت منها الحضارة الإسلامية، فلماذا يضخم هذا الجزء تحديدا؟، للجواب أوجه عديدة أشك أن من بينها "إحقاق حق".
إن النزوع إلى الماضوية والانهماك في التاريخ وتوهم أنه حاضر شاخص معاش، ليس إلا دليلا واضحا على فشلنا في التفاعل مع الحاضر، إننا مسجونون في التاريخ الغابر، والـ"ميليشيات" خلف كل صحابي لا تسمح للأمة أن يكون لها دور في الحاضر، لهذا تعيد تمثيل مشهد الصراع بين "معاوية وعلي" يوميا بهدف إغراقنا في الماضوية قدر المستطاع وتقييدنا في القاع بإحكام.
إن الماضي بكل ما فيه ليس إلا فضاء شبه تخيلي، لا حياة فيه، والبعض لا يمانع في أن نسبح جميعنا في هذا الفضاء كما نشاء، فأن نشتم معاوية أفضل من الطعن في نزاهة المسؤول الذي يغترف من المال العام نهارا جهارا. لهذا وُجدت "ميليشيات" خطابها نرجسي، عقيدتها "تشبيحية"، أفكارها تؤجج الصراع، تمجد الأسماء، تخلق في الأمة حالة طوارئ مزمنة لضمان انخراط الجميع في حرب كل أبطالها أموات، ساحاتها الخيال، ثم لا ينتصر فيها إلا قادة تلك الميليشيات ومتزعموها الذين يعتلون منابر التخلف ومنها يدفعون بجنودهم من العامة للاقتتال ونزف الدماء، ولا سلاح في كل هذه الفوضى إلا الجهل.
عودة إلى الإعلام .. شاهدت على اليوتيوب شيخا دكتورا يطرح نفسه كمفكر معتدل يصفه أتباعه بالمجدد، شاهدته يتحدث لساعة كاملة عن مساوئ "معاوية" رضي الله عنه، ويلعنه ويتتبع زلاته ويحمله كل أوزار حاضرنا، أدركت حينها أن البلاء إذا استشرى لن تمحوه أعلى الشهادات، بل تؤصّله، أدركت أننا لا نستخدم الإعلام والتقدم التقني إلا لتجديد وإحياء ثأر الأجداد. وكدليل إضافي على انتشار تلك الميليشيات، ها هو زعيم إسلامي يصرح بالأمس بأن القتلة في سوريا والعراق ولبنان كلهم يزيد، والأبرياء هم الحسين!.
إن الدرس الوحيد الذي تم دفع ثمنه من دماء علي – كرم الله وجهه - والحسن والحسين، ألا نحيي ثأر الأجداد، ألا ننقسم، أن ننشغل بالحاضر فقط، فهل تعلمنا الدرس الذي دفعت من أجله أغلى الدماء؟