العمالة الوافدة (المنفلتة) خطر على الوطن والمجتمع، وتم تداول هذه القضية والتحذير منها منذ منتصف الثمانيات الميلادية، ونحن الآن أمام واقع جديد هو "الحملة التصحيحية" لأوضاع مخالفي نظام الإقامة والعمل، مثل بقية دول العالم التي تسعى لذلك في أنظمة العمل والهجرة، ولذلك تم تحديد مدة للتصحيح، وتم تمديدها، قبل بدء الحملة كواقع وطني لا يمكن الفرار منه.

وبداية يجب الاعتراف بأن هنالك أخطاء استراتيجية حصلت خلال العقود الثلاثة الماضية، وتتمثل بثلاث نقاط رئيسة: أولها استقدام بعض الأفراد والمؤسسات والشركات للعمالة غير المدربة بشكل كبير وزائد عن الحاجة في كافة المهن، ثم تسريح هؤلاء العمالة من قبل كافليهم بطرق مخالفة للأنظمة المعمول بها.

النقطة الثانية هي المتاجرة بالتأشيرات، بمعنى منح بعض الأفراد والمؤسسات والشركات تأشيرات استقدام يتم بموجبها تقاضي مبالغ مالية على العمالة الراغبة بالعمل في المملكة ويكون الطرف المستفيد مالياً من ذلك هو إما الفرد والجهة المستقدمة، أو أولئك السماسرة في مكاتب الاستقدام في الدول الأخرى الذين يتقاضون مبالغ مالية مقابل تأمين العمل للراغب به.

النقطة الثالثة -وهي الأخطر- تتمثل بالتسلل والتهريب للوافدين عبر المناطق الحدودية بلا وثائق سفر، وأصبح الأمر لدى المهربين تجارة تدر أموالاً طائلة، بدت بعدها ظاهرة موت المتسللين عطشاً في المناطق الحدودية الجنوبية للمملكة.

والنتيجة من كل هذه الأسباب الثلاثة السابقة تكدُّس ملايين الوافدين القادمين بطرق نظامية وغير نظامية من دول عديدة، ومعظمهم يعيشون في الأحياء الشعبية والعشوائيات في المدن والقرى والهجر النائية وحتى في البراري يعملون رعاة للمواشي، وأصبح كثير من هؤلاء يشكلون مجموعات عائلية أو عرقية يستنزفون اقتصاد البلد عن طريق مزاولة مختلف المهن المشروعة وغير المشروعة، مقيمين بطرق نظامية وغير النظامية، سواء بعلم أو بدون علم الأفراد أو الجهات التي تكفل النظاميين وتتستر على المخالفين، فأصبحت مليارات الريالات تهرب من بلادنا كحوالات مالية إلى مختلف دول العالم.

وعلى الرغم من جهود سنوات طويلة للجان التي شكلتها الوزارات والجهات الحكومية، لم يتم القضاء على ظاهرة مخالفات نظام الإقامة والعمل، بل إن بعض الشركات الكبرى التي نفذت مشروعات حيوية استغلت هذه الظاهرة بتشغيل مخالفي أنظمة الإقامة والعمل للقيام بأعمالها ومشروعاتها بأجور متدنية.

وقد ناقشت وسائل الإعلام المحلية ظاهرة المخالفة والتستر خلال السنوات الثلاثين الماضية، بل إن الكوميديا -عبر المسرح والتلفزيون- تطرقت إلى جوانب وجود العمالة ونشاطاتها في بلادنا، منذ مسرحية "تحت الكراسي" منتصف الثمانينات حتى مسلسل "طاش ما طاش" في الألفية الثالثة، إلا أن الحلول كانت شبه آنية ولم تعتمد على استراتيجية طويلة المدى، وكنا نكتفي بالضحك على هذه الكوميديا التي أصبحت اليوم سوداء فعلاً!

نحن نعيش اليوم واقعين مهمين: الأول هو أهمية نجاح الحملة التصحيحية، والثاني هو التعامل بحزم مع شغب المخالفين ومحاولي الضغط بكافة الطرق لإفشالها، ومن فاتهم قطار التصحيح لم يبق أمامهم إلا الرحيل بكرامة أو مواجهة حزم الأنظمة، مهما كانوا مرعوبين من العودة للفقر في بلدانهم، سواء كانوا من الجنسية الإثيوبية أو من بقية دول القرن الأفريقي أو غيرها، وسواء كانوا يملكون وثائق ثبوتية أم لا، فالواقع أن الخطر الذي تمارسه فئة ما بالتخريب والتدمير يجب أن يواجه بحزم حتى يزال على الرغم من أهمية حفظ كرامة هؤلاء وحقوقهم الإنسانية، ولكن الأولى أن يراعي هؤلاء كرامة البلد وأهل البلد الذي آواهم سنوات طويلة، إن كانوا حريصين على حفظ كرامة أنفسهم، بل يجب أن تعتذر دول هؤلاء عن محاولاتهم المساس بأمن المجتمع والوطن.

الغريب في الأمر أن معظم الجنسيات الأخرى قد تقبلت هذه الحملة الوطنية إما بالمغادرة أو تصحيح الوضع، وهذا ما يلفت النظر إلى بعض المواد الإعلامية عن دور دولة أو أخرى في دعم تكديس الوافدين غير النظاميين وأعمالهم التخريبية ليكونوا ذراعاً لها، وهذه محاولة فاشلة سلفاً لأنها مواجهة لدولة لا لجماعة أو حزب! ومن يبحث عن تبرير لجرائم بعض الوافدين واعتداءاتهم فإن ذلك يشبه أولئك الذين برروا للإرهابيين أفعالهم بأنها ردات فعل على أوضاع البلد، ومحتويات الإعلام، وطروحات المثقفين.

خلاصة القول: إننا لسنا الآن في صدد البحث عن أسباب الأخطاء، بل بصدد تصحيحها وإصلاحها من جذورها، كما فعلت بعض دول الخليج ومنها الإمارات العربية المتحدة التي بدأت بالتصحيح عام 2002، فمن يُرد العمل بالطرق النظامية وفق احتياج البلد فسيرحب به، ومن يُرد العبث بأمن واقتصاد البلد فإنه يتحمل مسؤولية فعله، بغض النظر عن مبرراته.. فقد قالت العرب قديماً: "يا غريب كن أديب"!