في أوائل هذ الشهر، سأل مراسل صحيفة الوطن وزيرَ المياه والكهرباء عن أداء خدمات الكهرباء في المملكة، فردّ معاليه بتحديه إن كان أحدٌ يستطيع تذكر آخر مرة انقطعت فيها الكهرباء.
وبالطبع حين سعت صحيفة الوطن للإجابة عن تحدي معالي الوزير وجدت الإجابات سهلة. ففي العاصمة الرياض، أجاب (64) بالمئة بأنهم يتذكرون انقطاع الكهرباء، وهو غير مستغرب، لأن معظم سكان العاصمة يمرون بهذه التجربة باستمرار، خاصة في فصل الصيف. وحين وضعتْ الصحيفة نتائج الاستطلاع على موقعها بشبكة الإنترنت، أجابت نسبة أكبر من القراء (92 بالمئة) بأنهم يتذكرون كذلك، وقال بعضهم إن الكهرباء تنقطع لديهم مرتين في اليوم أو أكثر أحياناً.
فلماذا تنقطع الكهرباء؟ وهل من الحكمة الاستمرار في توسُّع هذا القطاع بالطريقة ذاتها التي تُهدر موارد البترول دون مردود يُذكر على المواطن؟
لمّح الوزير إلى هذا الجانب حين ذكر الطلب المتزايد على الكهرباء بنسبة تجاوزت (8) بالمئة سنوياً، وتوقع رئيس شركة الكهرباء السعودية استمرار الطلب في المستقبل بنسبة (9) بالمئة سنوياً، مما يعني أن المملكة تحتاج إلى طاقة إضافية بمقدار (3500) ميجاوات سنوياً، وهو ما يكفي لإنارة عدد من الدول!
ومثل هذه الزيادات، وهي تضع ضغطاً كبيراً على أداء شركات الكهرباء، لا يمكن تبريرها اقتصادياً، فهي تفوق معدلات نمو الاقتصاد والقطاع الصناعي، وتتجاوز بثلاثة أضعافٍ معدل النمو السكاني، ولذلك فإن من الأجدى التفكير في تخفيض الطلب على الكهرباء بدل زيادته. فوفقاً لحسابات المركز السعودي لكفاءة الطاقة، بلغت معدلات استخدام الطاقة مستويات لا يمكن استدامتها. حيث ازداد استهلاك الفرد للطاقة ستة أضعاف ما كان عليه في عام 1975. وفي عام 2012، استهلكت المملكة ما يعادل (4.3) ملايين برميل من النفط يومياً، وهي كمية ضخمة لا تتناسب مع حجم السكان أو مستوى الصناعة. ويذهب معظمها لإنتاج الكهرباء، وبالدرجة الأولى للمباني التي استهلكت نحو (80) بالمئة منها.. يذهب أكثرها لتكييف الهواء.
ويلوم بعض الاقتصاديين أسعار الكهرباء المنخفضة على هذا الهدر، حيث يشيرون إلى أن سعر الكيلووات لا يتجاوز في المعدل عشرين هللة، وأن فاتورة ثلثي عملاء شركة الكهرباء لا تتجاوز مئة ريال شهرياً. وبالمقارنة نجد سعر الكيلووات يبلغ ثلاثة أضعاف ذلك في الولايات المتحدة، وأربعة أضعافه في أستراليا، وسبعة أضعافه في ألمانيا والبرازيل. ولا يشجع انخفاض الأسعار المستهلكين على الترشيد واختيار الأجهزة والمباني التي تحافظ عليها.
ولكي تتمكن شركات الكهرباء من تقديم الخدمة بهذه الأسعار، تُصرّ على الحصول على الوقود بأسعار تشجيعية، أقل بكثير من الأسعار العالمية. فهي تدفع لبرميل النفط الخام نحو (4) بالمئة من سعره العالمي، وللديزل (3) بالمئة، وللغاز الطبيعي (6) بالمئة من السعر العالمي، ولذلك، ليس لدى شركات الكهرباء حافز مالي لاستخدام تقنيات متطورة تحد من هدر الوقود، ولذلك يرى بعض الاقتصاديين أن المشكلة يمكن حلها بسهولة برفع تكلفة الوقود الذي تحصل عليه شركات الكهرباء بسعر رمزي، مما سيضطرّها إلى تغيير طرق توليد الكهرباء بما يخفض هدر الطاقة. ولكن رفع أسعار الوقود فجأة يضر بالصحة المالية لشركات الكهرباء، كما أن رفع أسعار التيار الكهربائي للمستهلكين ليس حكيماً بعد عقود من انخفاض الأسعار الذي أصبح الكثيرون يعدونه حقاً مكتسباً،
ولذلك فإن من الأفضل تبنّي مقاربة مختلفة لمشكلة هدر الطاقة الكهربائية، إذ يمكن من خلال حزمة من الإجراءات تخفيض هذا الهدر دون الإضرار بالمستهلك، بل سيحقق في نهاية المطاف مكاسب كثيرة سواء فيما يتعلق بتخفيض فاتورة الاستهلاك، خاصة في أشهر الصيف، أو في تخفيض معدلات التلوث داخل المنزل وخارجه. فقد وجد المركز السعودي لكفاءة الطاقة أن المباني تستهلك (80) بالمئة من الكهرباء المنتجة في المملكة، وأن أجهزة التكييف تستهلك (50) بالمئة من الكهرباء في المنازل، وترتفع تلك النسبة إلى (80) بالمئة خلال أشهر الصيف. ووجد المركز أن نحو (70) بالمئة من المباني ليس بها عزل حراري، وأن قانون البناء ليس ملزماً في مجال العزل، وليس لدى الجهات المختصة قدرة على مراقبة تنفيذه في أي حال. ووجد كذلك أن أجهزة التكييف المستوردة تتميز بانخفاض كفاءة استخدامها للطاقة، كما هو الحال في معظم الأجهزة المستوردة. فليس هناك إلزام على المستوردين والموزعين بتوفير أجهزة عالية الكفاءة، وليس هناك وعي من المستهلكين يتطلب توفيرها.
وتشخّص هذه الحقائق المشكلة، وتوضح في الوقت نفسه الوسائل لحلها، وذلك عن طريق رفع كفاءة العزل الحراري في المباني، وإلزام المقاولين والمطورين بمعايير محددة للعزل تتم مراقبتها بدقة، وإلزام الموردين والموزعين بتوفير أكثر الأجهزة كفاءة، وإيضاح كفاءة الطاقة في الأجهزة التي يبيعونها، وكمية استهلاك الكهرباء وتكلفتها لكل جهاز. ولكي ينجح هذا الجهد فإنه يتطلب عدة إجراءات:
الأول: تعديل المعايير المتعلقة بالعزل الحراري في المباني، والمتعلقة باستيراد وبيع الأجهزة الكهربائية.
الثاني: تقديم حوافز مالية لتشجيع الالتزام بالمعايير الجديدة، بما في ذلك النظر في دعم أسعار مواد العزل، ويفضل أن يقدم الدعم للمستهلك مباشرة وليس للموردين.
الثالث: تشجيع استخدام الأجهزة الأكثر كفاءة، بتوزيع كوبونات مدعومة تتلاءم قيمتها مع درجة كفاءة الجهاز.
وبمرور الوقت، سيلاحظ المستهلك التوفير الذي سيعود عليه من زيادة العزل الحراري واستخدام أجهزة ذات كفاءة عالية، ويطلبها بنفسه دون حاجة لاستمرار الدعم المالي.
وباختصار، فإننا نحتاج إلى التفكير في خفض استهلاك الكهرباء، بدلاً من الاستمرار – كما تقوم شركات الكهرباء – بالاستجابة إلى معدلات النمو المتزايدة في الاستهلاك، فقد تجاوزت معدلات الاستهلاك في المملكة المعايير الدولية، دون فائدة تذكر للمواطن، وأسهمت في هدر مخزونها من البترول بشكل يهدد مستقبلها الاقتصادي، وعجزت شركات الكهرباء عن توفير الطاقة التي يتطلبها ذلك النمو، وهو ما نلاحظه في ازدياد فترات انقطاع الكهرباء، خاصة في فصل الصيف. وفي الوقت نفسه، فإن ترشيد استخدام الطاقة لن يضر برفاه المواطن، بل على العكس سيقلل من تكلفة الكهرباء ويخفض مستويات التلوث ويسهم في تحسين الصحة العامة.