كنتُ أطالع بعض الأحاديث النبوية، حتى وقفت على ما جاء في صحيح مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حَسن، وفيه الحديث المروي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية، وقال: أنتِ جميلة"، وجاء ذكر ذلك أيضا في سنن الترمذي وأبي داود، وأتساءل، لماذا عليه الصلاة والسلام لم يُسمها بما يعاكس الاسم والمتوقع "مطيعة" وفضل عليه "جميلة"!؟

السؤال بحدّ ذاته يفتح بابا واسعا لتأمل مقصده عليه الصلاة والسلام، وما ذلك إلا إدراك وحكمة منه لقيمة الجمال في معناه الأوسع، فقد تكون "عاصية" امرأة جميلة فوافقها الاسم، وقد تكون قبيحة فأراد بث البشاشة في نفسها، وأيا كان شكلها، فالمقصد يتجاوز الشكلي إلى ما وراء الاسم، فطاعة الله تعالى وحسن الخلق والتصرف والحكمة ورجاحة العقل وغير ذلك كله من قيم الجمال الجوهري، هكذا اسم "جميلة" أشمل وأدق، يعكس معنى الشكلي والجوهري معا، وما يُؤمل أن تكون عليه تلك المرأة.

والأمر الثاني، هو أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بما فعل لم يكن يريد اختزالها كامرأة في اسم "مطيعة"، وإلا كان سماها بذلك، وهو أفصح العرب، وقوله النبوي أبلغ الكلام بعد القرآن الكريم، والمدرك لأهمية ما للإنسان له من نصيب في اسمه، فـ"مطيعة" كاسم له وجه إيجابي يتمثل بالطاعة والخضوع لله تعالى، وما أجمل الطاعة وأحبها لله حين تكون باختيار الإنسان رجلا أو امرأة، مستخدما فيها ما منحه من حق الحرية، فيكون ذلك إذا ما عقلت هي أمرها فيما تتعبد به الله تعالى دون مخلوق يُكرهها أو يكون وصيا على تعبدها، ومن هنا يبدأ الشق السلبي لاسم "مطيعة" الذي جعل الرسول عليه السلام ربما ينفر منه، لما يوحي به من مدلول بطاعتها للمخلوق طاعة عمياء، فحينها لا عقل لها في أمرها ومعاشها سوى ما يأمرها به الرجل، وإن دفعها لطاعة الخالق، فما فائدة طاعة تأتي بإكراه أو إجبار دون قناعة! ليس هذا فقط، الطاعة وحدها لا تصنع جمالا للمرأة إن لم تتجمل بالوعي والعقل، وهو عليه الصلاة والسلام يريدها أن تمتلك رأيها، وتُدرك فعلها، وتعي اختيارها، بل وتُجادل في حقها إن سلبه منها الرجل، وهو ما شجع عليه القرآن الكريم وأنزل سورة تعزيزا لفعلها "المجادلة".

مثل هذه الرؤية طبعا، تُخالف كثيرا مما يراه أهل الرأي الذكوري فيما يخص المرأة، والذي يُخاطب النساء على أن طاعتهن للرجل سرّ جمالهن، بل يجعلها في عين الرجل جميلة وإن كانت قبيحة، هكذا يختزلونها عبر قصصهم وأخبارهم وكتبهم، ليمسخوا شخصيتها، ويجعلوها بلا عقل ولا رأي ولا هوية سوى إناء يُفرغ فيه الرجل شهوته، حتى جاؤوا على حقوقها الإنسانية وحرموا عليها المباح من باب "سد الذرائع" حماية للرجل من الخطيئة ودفعا له للعفة دفعا، وكي لا تجادل قالوا لها: "صه .. صوتُ المرأة عورة"، وحين تتجاوز طاعته العمياء وإن ظلمها ذلك، تُصبح ناشزا.

أخيرا، كم نحتاج إلى أن نتعلم من حكمة سيد البشر وخيرهم عليه أفضل الصلاة والسلام، ونُدرك كيف أصبحت "عاصية" امرأة "جميلة".