علاقة الإنسان بأفكاره ليست علاقة عقلية فقط بل هي علاقة نفسية أيضا انطلاقا من القناعة التي تقول: إن الإنسان هو أفكاره، أو إن الأفكار تمثل هويّة الشخص وتغييرها يعني هزّاً لهذه الهوية. بينما تثبت سير كثير من المتغيرين أن الإنسان ثابت وأن الأفكار متغيرة. أي أن هوية الإنسان ترتكز على شعور الإنسان بذاته المستقلة الحرة، أما أفكاره فهي عبارة عن اختيارات لهذه الذات مرتبطة بظرف الزمان والمكان ومن الممكن تحريكها وتطويرها باستمرار بل إن هذه الحركة في الأفكار هي ما تجعل الهوية الشخصية قوية وحية وذات وجود حقيقي.

برغم هذا كله يبقى لدى الكثير من الناس حاجز نفسي قوي ضد التغيير. خوف من فقدان الهوية كما ذكرنا، وخوف من المجتمع وردة فعله غير المرحبة غالبا بالتغيير وخوف من الخروج من حالة الركود والاستقرار التي يشعر بها الفرد حين يصبح مجرد نسخة من النموذج الأعلى في المجتمع. كل هذه المخاوف تحيط بالفرد وتمثل عقبة كبيرة في طريق التغيير وبالتالي فإن الأفراد يحتاجون إلى إعانة لتحقيق التغيير باعتباره مهمة في غاية الصعوبة. على مدار التاريخ كان المتغيرون عونا للآخرين في تحقيق التغيير من خلال نقلهم لتجاربهم الشخصية وحكايتهم لتفاصيل هذه التجربة التي تحيط بها كثير من المخاوف. هذا النقل للتجارب يحولها - بالنسبة للمتلقي - من عالم الخيال إلى عالم الواقع، إلى عالم يحدث أمامه لأشخاص لا يختلفون عنه في القدرات الأساسية ويعبرون له عن تصور جديد للتغيير، تغيير مثير، وجذّاب وأصحابه سعداء به ويفخرون به، يعيشون بسعادة أكبر من السابق ولا يفقدون هويتهم بسبب هذا التغيير. أذكر في هذا السياق من التجربة المحلية كيف ألهمت تجارب عدد من المتحولين عن التشدد الديني عددا كبيرا من الشباب ودعتهم لخوض تجربة التغيير بأقدام واثقة وطموحة.

هنا بمناسبة نشوة الأعمال الفنية في رمضان من المهم التفكير في دور الفن في التغيير أو تأثير الأعمال الفنية في إحداث عملية تغيير إيجابية في المجتمع. الحديث هنا طبعا عن أعمال فنية بالمعنى الحقيقي، أي أعمال تحمل مضامين فكرية وقضايا وارتباطات قوية مع الثقافة التي يتحرك الأفراد من خلالها. أعمال تعبر عن مواقف من الواقع ووجهات نظر وانفعالات بحياة الإنسان اليوم. للأسف فإن أعمالاً من هذا النوع هي أعمال على مستوى عال من الندرة في الفضاء الفني العربي لأسباب كثيرة ليس المجال هنا للتفكير فيها. خياراتنا في رمضان محدودة في عدد من الأعمال التاريخية الجريئة التي تحاول أن تنقل صورة تاريخية لأحداث مهمة بطريقة تقترب نوعا ما من التسجيل التاريخي الموضوعي. وتقدم للمشاهد المحلّي صورا تاريخية تختلف عن الصور المحدودة التي تم تلقينه إياها في التعليم والخطب. هذه الأعمال التاريخية حين تقدم بروح نقدية وبوعي تاريخي فإن لديها القدرة على مساعدة الأفراد في عملية المراجعة التاريخية وتجاوز الصور النمطية عن التراث المنزه من الأخطاء. هذه الصور ستساعد الفرد على معاودة التفكير في التاريخ وشخصياته من خلال منهجية نقدية لديها القدرة على التحليل والتفكيك والمراجعة بجرأة وثقة بالذات. الأعمال الفنية التاريخية لديها قدرة استثنائية في نقل الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية ضمن صورة ثرية بالتفاصيل المؤثرة التي لا تتوفر في النقل الشفاهي أو الكتابي مما يجعل لها قدرة مختلفة واستثنائية في التأثير على المتلقي.

من جهة أخرى لدينا خيار آخر يتمثل في أعمال فنية لها طابع نقدي مهم جدا. كالعادة لدينا محليا مسلسل طاش وهذه السنة يدخل بقوة مسلسل بيني بينك. هذان المسلسلان قدما حتى الآن صورا نقدية للمجتمع في عدد من القضايا المهمة من الممكن التنبؤ بتأثير لها على قدرة الفرد المشاهد على التغيير. فمتابعة المجتمع منقودا، أي مطالبة المجتمع بالتغيير حين تصدر من خلال عمل فني ذي نجاح كبير وجاذبية شعبية تجعل من الدعوة للتغيير عملية مبررة وتم تمريرها إلى المتلقي بشكل سلس وهادئ. الفكرة الأساسية خلف الأعمال النقدية الاجتماعية هي أن النقد ضروري وأن المجتمع لديه مشاكل وأن التغيير ضروري ومهم. الغالبية من الناس لديهم قبول مباشر بمستوى معين، ربما بسيط، من التغيير الذي لا يمس ما يعتقدونه غير قابل للمساس، ولكن ميزة الأعمال الفنية النقدية الجادة أنها تصل أحيانا إلى مساحات يعتقد الكثيرون أنها غير قابلة للمساس. الدخول لهذه المساحات تحديدا هو ما أعنيه وهو ما لديه القدرة الكبيرة على دفع الأفراد المتطلعين للتغيير للسير للأمام بهمة وثقة لخوض عملية التغيير. الأعمال الفنية المتقنة لديها قدرة استثنائية في اختراق الوعي الجمعي وفتح مساحة اللامُفكر فيه للتفكير.

المجتمعات التقليدية تحمي ذواتها ببناء حصون ضد التفكير من خلال جعل عدد كبير من القضايا خارج التفكير أو ممنوع التفكير فيها. قضايا حددها مجموعة من البشر المتحدثين باسم الله ومنعوا الناس من التفكير فيها. الأعمال الفنية بتأثيرها العريض حين تخترق هذه الحصون فإنها كفيلة بهزّ الصورة النمطية وفتح الأبواب على قضايا مهمة تعني الناس وتؤثر عليهم بشكل مباشر. هذه الهزة لها تأثير كبير على دعم روح التغيير والنقد، لها قدرة كبيرة على إعانة الأفراد في تجاوز الحواجز النفسية التي تعيق تفكيرهم. التغيير هنا مدعوم بأعمال جماعية معلنة ولها متابعون وعشاق. العمل الفني هنا يعطي دفعة قوية للخطوة الأولى باتجاه التغيير، هي خطوة مهمة جدا وبعد أن يتجاوزها الفرد فإن مهمته تبقى مهمة فردية داخلية شخصية، فالتغيير هو في الأساس تغيير في الذات حين يتحقق فإنه يمتد بقوة وصدق إلى تأثير خارجي يعطي دفعة للتاريخ للحركة للأمام.