عندما أتحدث حول الإرهاب، فإنني أرى أن أفضل طريقة للحوار حوله هي الموضوعية والعقلانية، وألا تُستخدم عبارات جارحة أو قاسية، ولذلك سيكون نقاش الموضوع هنا بهذا المنهج؛ لأنني أرى أنه الأسلوب الأنجع لإيصال الرسالة.

الحقيقة أنني استأت كثيرا بعد نشر لقاء متلفز مع أحد معتنقي الفكر المتشدد، وذلك بعدما رأيت بعض التعليقات في "تويتر" من بعض المثقفين أو المشايخ، التي لم تكن تصدر لولا عدم إدراك مدى خطورة مثل هذه الأفكار على البلد والأمة أجمع! كم هو صعب أن تتحدث هكذا مع من يوصف بالمفكر والشيخ، ولكن يجب أن يسهم بعضنا في توعية الآخر. وفي نفس الوقت لا بد أن أشيد ببعض الكتابات الجريئة في نقد القاعدة وإرهابها من مجموعة من المشايخ مؤخرا بطريقة صريحة جدا لم نعتد عليها.

الإرهاب لا يستهدف الحكومة فقط يا سادة، هو يستهدف الدولة ككيان، ويعادي كل من لا يقف في خانته، ولو حاولنا تطبيق معايير الإرهاب في الناس لربما لم يَصْفُ لنا إلا بضعة آلاف، والبقية مصيرهم السيف ربما! لم يدخل الإرهاب بلدا إلا حكم عليه بالدمار المؤبد، وبثّ فيه أصناف الفرقة والقتل والفوضى! حتى حركة حماس الإسلامية لولا سرعة انطلاقها في القضاء على نزعة بعض أتباع القاعدة قبل فترة؛ لكانت غزة الآن ركاما من الدمار لما ستجلبه القاعدة من تأليب ومبررات لأعداء حماس في الأرض أجمع؛ كي يقضوا عليها وعلى غزة كلها!

البعض يكرر أحيانا بعض المطالبات قبل أن يدين الإرهاب، وكأن الإرهاب لا يعنيه في شيء، وهذه كارثة أن تصدر من بعض المثقفين، حيث يخلط بعضهم بين أجنداته الخاصة ومصلحة الوطن العليا! الإرهاب لا يقل سوءا عن العدو الغازي، بل ربما أشد خطرا منه، ومن غير المقبول أن يتملّص البعض من واجبه الوطني. وفي نفس الوقت فإنني أدين طريقة البعض في محاولتهم إصباغ الإرهاب وأفكاره على خصومه الإسلاميين بلا أخلاقية ولا موضوعية، والعدل والإنصاف مطلوب حتى مع العدو.

ما السبب الذي دعا الخوارج لقتل عثمان ذي النورين رضي الله عنه؟ هل كان بسبب جوره أو فساده؟ حاشاه والله، ولكنه التشدد والغلو في كل زمان الذي ما أكثر أن حذر منه النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ في أحاديثه.

لم يُحذر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من طائفة ستخرج بعده سوى طائفة الخوارج، التي قال فيها بعد أن أساء إليه أعرابي وطلب عمر ضرب عنقه فرد عليه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ "دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". ومن خطورتهم أنهم يتكلمون مستشهدين بالآيات والأحاديث التي لا يفقهون حتى رسمها! ولذلك يتأثر بهم الكثير من الجهلة والبسطاء وصغار السن للأسف.

بعض الناس ربما يتعاطف مع بعض الإرهابيين، خاصة عندما يسمع كلامهم واستشهادهم ببعض الآيات، ومظاهرهم التي تظهر الزهد والصلاح، ولا يعرف أولئك أن قاتل علي رضي الله عنه عبدَالرحمن بنَ ملجم الخارجي الضال قتل عليا تعبّدا لله ومحتسبا للأجر عند الله ضلالا منه وفسادا! وكان من العباد والزهاد إلا أن الضلال يملأ عقله! حتى قال في فعلته خارجيٌ آخر:

يا ضربة مـن تقي ما أراد بها

إلا ليبلغ مـن ذي العـرش رضوانا

إنـي لأذكره حـينا فأحسـبه

أوفى البرية عـند الـله مـيزانا

ولكون البلاد العربية يندر فيها المثقفون ويكثر الجهل وللأسف؛ فإن العاطفة تسبق العقل كثيرا!

ولكن لو تساءلنا: ما مطالب الإرهابي لنناقشها؟

بتأمل في أغلب ما يدعون إليه، نجد أغلب تلك المطالب هي منحصرة إما في اجتهادات خاطئة لهم، أو على الأقل في مسائل خلافية اجتهادية؛ إلا أنهم بنوا عليها حكم التكفير! وكثير منها متروك لاجتهاد السياسي أصلا، الأمر الذي غالبا لا يفهمون أبجدياته! ويفسرون أي تصرف بأسوأ احتمال لأجل أن يكفّر!

ما تصور الدولة التي يطرحها الإرهابي؟

باختصار أن تتصور دولة معادية للعالم كله بالإضافة لمعاداة كل أطياف المجتمع في داخل الدولة نفسها! هذه هي الدولة المرسومة في خيال ذلك الإرهابي، فالعضوية في الأمم المتحدة كفر، ووجود علاقات تعاون مع نصف العالم يعده أولئك كفرا، كل الدول العربية دول كافرة يجب جهادها، كل الطوائف المنتسبة للإسلام والتيارات الفكرية يجب القضاء عليها، وهكذا.

بل لن يبقى شيء في المدارس والجامعات يدرّس للطلاب! فلا يزال بعضهم يؤمن بأن تدريس كيفية تجمّع المطر والسحب كفر بالله، وأن الإيمان بمثل تلك الأسباب نوع من الشرك بالله! كما إن الإيمان بأن العلم يمكن أن يخبرك بنوع الجنين ذكرا أو أنثى؛ نوع من ادعاء علم الغيب، وهكذا من الأفكار الموغلة في الجهل، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقدم العلم بوجود فكر مثل هذا!

إذًا ألا يستدعي مثل هذا الفكر الكارثي أن يحاربه كل إنسان يشعر بوطنية وإيمان صادق؟

الإرهاب يهدد وجود وكيان الدولة ككل، يهدد استقرارها واستمرار وحدتها وأمنها، ووالله لو تمكن من الاستمرار في بلدنا؛ لكان حالنا اليوم مختلفا تماما، ولربما حتى الشكل الجغرافي للبلد اختلف تماما لا سمح الله.

أعود وأود أن ألخص رسالة المقال؛ بأن مواجهة الإرهاب واجبنا جميعا، وإنني أدعو الله ألاّ يكتب علينا يوما نندم فيه على تفريطنا في حق وطننا وأمننا وديننا.