لم يكن المواطن السعودي الاستثنائي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد بحاجة إلى هذا التأبين الضخم بناء على إشاعة انتقاله إلى رحمة الله وهو يؤدي صلاة العشاء في المسجد.

يحزنني جدا جدا في هذا "المجتمع" أننا أصبحنا نسأل عن مكان الوفاة أكثر من سؤالنا عن سيرة الحياة أو أسباب النفس الأخير من العمر.

مات شيخ الإسلام ابن تيمية في بيته، مثلما مات أبو ذر الغفاري على أطراف الصحراء معتزلا فتن عصره وجوارحه.

كيف عرفتُ راحلنا الكبير محمد الأحمد الرشيد؟

بعيد فترة قصيرة من انتهاء عمله الوزاري جاءنا "المرحوم" إلى هذه المدينة وهاتفني ـ بعد صلاة العشاء ـ ليطلب مقابلتي في "ثنائية" خاصة.

على "ممشى" وادي أبها، مارس ـ رحمه الله ـ هوايته حتى وصلنا إلى قلب المدينة، وكنا وحدنا حين طلب ـ يرحمه الله ـ أن يزور أي عائلة فقيرة محتاجة، وعندما قلت له: إنها على مشارف المكان، وتحتاج إلى دقائق إضافية من "المشي"، كان جوابه البدهي: "دعنا نفعل خيرا في هذا المكان يا... علي".

وخلال ما يقرب من ساعتين، كان ـ رحمه الله ـ يستعرض كل الآلام، وكل الأشواك التي قابلها في طريقه الطويل. كنت أظن يومها أنها "فضفضة" وزير إلى "صديق" يعرف أنها جمل شاردة لا يمكن لها أن تُنشر، لكن صاحب المعالي ـ رحمه الله ـ نفض كل تجربته، وكتبها ـ فيما بعد ـ في مقالاته الأسبوعية: "حديث الثلاثاء"، ولم يترك في هذه المنظومة من المقالات قصة واحدة من طريق الآلام والأشواك. وكم أتمنى اليوم أن تجمع هذه المقالات في كتاب واحد، لأنني أظن أن "سواليف الثلاثاء"، برهان هائل على قصة الأحجار الصماء في طريق التنمية. إن لم يكن التعليم هو التنمية، فماذا إذن تكون التنمية؟

كان محمد الأحمد الرشيد "فطرة" العربي السعودي في كل شيء: في تلقائيته التي تشاهدها في "العجلة". في بساطته التي يندر معها أن تجد له صورة باللباس الرسمي متدثرا ما نحمله على ظهورنا من الأقمشة.. في حزمه وحسمه، وأيضا في بوحه بكل رسائل الاستسلام والضعف أمام المواقف الإنسانية التي كشفها في "أحاديث الثلاثاء".. في مباشرته وصراحته، وفي اختصاراته لكل القرارات والمواقف بجملتين.

مرة طلبت وساطته وإلى اليوم ما زلت أتذكر جوابه القصير: "هذا الموضوع هايف وسخيف... يا علي...".