الخميس الماضي، فجع الوسط الأكاديمي والأدبي والثقافي والصحفي والمجتمع السعودي، برحيل الدكتور والأستاذ أسامة عبدالرحمن، القامة الوطنية الكبيرة، الذي كرس حياته لعلمه وقلمه، فجاء عطاؤه زاخرا ومكثفا. لقد أغمض الشاعر المبدع والحكيم الزاهد عينيه، ورحل عنا بجسده إلى الرفيق الأعلى، لكنه وكحال كل شاعر وكاتب مبدع سيبقى بيننا بعطائه، إلى ما لا نهاية. وبالنسبة لي فقد خسرت فيه الأخ العزيز والصديق الوفي، والمحاور البارع والمتسامح، والمثقف الوطني الملتزم الذي لا يعوض.
تعرفت على الراحل العزيز، الدكتور أسامة، أثناء إقامتي بالولايات المتحدة الأميركية، لاستكمال دراستي العليا. فقد وقعت يدي على كتاب له، حمل عنوان البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية. ومنذ ذلك التاريخ، حرصت على قراءة ما يكتب. ومن خلال متابعتي لكتاباته، تكشف لي أنه بالإضافة إلى قدرته على التحليل الاقتصادي، فإنه محلل سياسي بارع، وهو أيضا شاعر يمكن - دون تردد - تصنيفه ضمن قائمة الشعراء، ليس في المملكة فقط، بل وعلى مستوى الوطن العربي.
ومنذ ذلك التاريخ، أخذت أهتم بجميع ما صدر من كتاباته. تابعت باهتمام كتبه الفكرية الصادرة، عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت: "المثقفون والبحث عن مسار"، "والمأزق العربي الراهن هل إلى سبيل من خلاص". وكتبا صادرة عن دور نشر أخرى: "الثقافة بين الدوار والحصار"، و"التنمية بين التحدي والتردي"، و"عفوا أيها النفط".
حين عدت إلى الوطن، وجدت المكتبات العربية زاخرة بدواوينه الشعرية الكثيرة: استوت على الجودي، وشمعة ظمأى، وغيض الماء، وبحر لجي، وفأصبحت كالصريم، وموج من فوقه موج، وهل من محيص، ولا عاصم، وعينان نضاختان، ورحيق غير مختوم، والحب ذو العصف، وأشرعة الأشواق، والأمر إليك، وقطرات مزن قزحية، ويا أيها الملأ، وعيون المها، وأوتيت من كل شيء، ونشرة الأخبار، وشعار.
اطلعت على معظم هذه الدواوين، كما أخذت أتابع الدراسات التي كان ينشرها بين فينة وأخرى، في مجلة المستقبل العربي، في بيروت، ومقالاته القصيرة في الصحف اليومية كصحيفة الخليج الإماراتية.
بحثت عن هاتف الراحل الكبير، وعند وصولي أول مرة للرياض، بعد عودتي للمملكة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، اتصلت به، وفاجأني بنبله وكرم خلفه، وتفضل بزيارتي حيث أقيم، لم تتح لي فرصة اللقاء بالدكتور أسامة إلا في نهاية التسعينات، من القرن الذي مضى. ومنذ ذلك التاريخ، تكررت لقاءاتنا، وتعززت علاقتنا ببعض. كان الحديث مع الراحل هو أشبه بالتجوال في خميلة جميلة، متنوعة الأزهار.
فهو القارئ النهم للتاريخ، وهو المتابع الدقيق لما يجري من حوله من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية في هذا الكون، وهو المثقل بهموم وشجون أمته ووطنه. وهو الشاعر الذي يتغنى بالطبيعة والحب والعروبة وقضية فلسطين.
في ملحمته الشعرية، دفاتر الشجن، الذي شرفني بإهداء نسخة منه، طرزها بتوقيعه، يأخذك أسامة في رحلة، بغنائية عالية جدا إلى مختلف العوالم، يجمع بينها، أنه المثقف غزير المعرفة وواسع الاطلاع، حين يكتب في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، وهو الرصين والمبدئي، الذي يحتفظ بلغة راقية، خالية من الإسفاف والعري، حين يكتب في الشعر.
وعلى الصعيد الإنساني، عرف الراحل بتواضعه ومثاليته، وزهده في الدنيا، وصدق مواقفه، ووفائه لوطنه وأمته. اختار في السنوات الأخيرة من عمره، اعتزال الناس، إلا فيما ندر، واختار تكريس بقية عمره، في صومعة الفكر، قارئا وباحثا ومؤلفا. وكانت حقبة، رغم العزلة، زاخرة بالعطاء.
مارس الراحل العمل الأكاديمي، بعد نيله شهادة الدكتوراه، وعمل مدرسا في جامعة الرياض، وفي 1979 حصل على الأستاذية. كما شغل في نفس الجامعة، عمادة كلية التجارة، وكلية العلوم الإدارية، وكلية الدراسات العليا. وكان يعمل مستشارا غير متفرغ بوزارة المالية والاقتصاد وديوان الخدمة المدنية، ووزارة التعليم العالي.
وصفه من قبل زميل له، بالشاعر الموهوب، والكاتب المتوثب، الذي يشدك إليه حتى وإن اختلفت معه، وقالت عنه صحيفة عكاظ إنه صاحب مبدأ، وكعادة أصحاب المبادئ، يدفعون في العادة ضريبة تمسكهم بها. وقال عنه الكاتب السعودي الدكتور عبدالمحسن هلال، بأنه ولد وعاش ومات شريفا كريما. طلابه شغلوا المناصب العليا، أما أسامة، فرفض كل المناصب، وآثر العمل بصمت، حتى نجح أكاديميا وإداريا.
وصف أحد طلابه، بالمبدع والمفكر، المتعالي على المغربات. وأنه لم يجد بين الطلاب والأساتذة، في محيط جامعته، من لا يجل ويحمل التقدير للدكتور أسامة. ووصفه آخر بالطود الشامخ، والشخص النزيه والجلد في العمل، وأنه مثقف غزير العلم، واسع الاطلاع والمعرفة، متسامح وصريح لا يتردد عن الجهر برأيه، متى ما طلب منه ذلك.
وكان المؤرخ والعلامة الجليل الراحل، الأستاذ حمد الجاسر، قد قال عنه: إن أسامة عبدالرحمن الذي لم يغره بريق ولا بهرجة المناصب، بحيث تصادر شخصيته وتحد من عطائه. وكان - رحمه الله - يحرص على الوحدة الوطنية، ويؤمن بقدر أمته العربية في التنمية والتقدم والنهوض مما جعله مثالا للأديب الوطني الملتزم.
لقد رحل الكاتب الكبير عنا بعد عطاء كبير إلى العالم الآخر، وعزاؤنا أنه ترك لنا فكرا نيرا وكثيرا، وإبداعا ثرا، سيظل يثري المكتبة العربية، بإذن الله لعقود طويلة قادمة. الرحمة لروح الفقيد، والصبر والسلوان لعائلته وأصدقائه ومحبيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.