من الجيد أن تتفاعل النخب العربية مع الهموم الجمعية، فتغادر مجالاتها الفكرية التي دأبت على التحرك ضمن نطاقاتها إلى مجالات مختلفة غير مألوفة بالنسبة إليها، وربما هي مألوفة من خلال معايشة المجتمع والبيت، لكن ذلك غير معلن.
فأن تناقش مؤسسة الفكر العربي في مؤتمرها السنوي الثاني عشر "فكر12"، الذي يفترض انعقاده في دبي يومي 4 و5 ديسمبر المقبلين، إشكالية "تحدي سوق العمل في الوطن العربي" وملايين الفرص الوظيفية المحتملة لغاية العام 2020، فذلك سوف يزيح المفهوم العام لـ"الفكر" و"النخبة" لدى الناس، فحوارات وطروحات شخوص النخبة لن تكون فلسفية تنظيرية بقدر ما يجب أن تكون واقعية تحليلية، حتى تحقق الجدوى من حضورها ووجودها في المؤتمر.
مثال آخر على مبادرات النخب للإسهام في وضع حلول لقضايا الناس، ما فعله الدكتور عبدالله الغذامي، قبل نحو عامين في مبادرة "مسكني" على "تويتر"، وكان تفاعل الكثير ـ خاصة من جيل الشباب ـ معه إيجابيا.. وربما هناك مبادرات أخرى له ولغيره لم أتابعها.. مما يعني أن فردا ينتمي إلى النخب قادر ـ إن أراد ـ على كسر الصورة النمطية المتشكلة عنه لدى عامة الناس، من أنه يعيش في برج عاجي وما إلى ذلك من مصطلحات بدأت تحتضر في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، واضطرار النخب للاختيار ما بين العزلة، أو مواكبة الناس حيث هم.
المثقف أو المفكر أو الأكاديمي أو الكاتب... الذي يبتعد عن معايشة محيطه لا بد أن يغترب عن هذا المحيط، لذا فإن الاقتراب اليوم لم يعد كافيا وحده كي يتفهم النخبوي هذه القضية أو تلك بجميع تفاصيلها، وما يجب أن يحدث هو الغوص مع من يغوصون فيها إلى أعماقها، ومحاورتهم في قلب المكان حيث يتحاورون، وليس في موقع مختلف.. بهذا فقط تكون النخب بلغت حدا من تفهم المشكلات بإمكانها من خلاله طرح مرئياتها ومقترحاتها لتكوين حلول وفق المتاح، وليس حلولا لا يمكن تطبيقها تبقى حبيسة مكانها الذي انطلقت منه.
بناء على ذلك، فإن اختراق النخب للمجتمع بكل صخبه ومشكلاته وهمومه لم يعد مسألة تخضع لاحتمالات الفعل من عدمه، بل غدت أمرا حتميا لا بد منه؛ لأن حدوث العكس يقود إلى أن النخبوي سوف يتابع مساره مع نفسه أو مع من يفكرون بطريقته، وهم قلة في زمن تغيرت فيه المعايير ومن لم يواكبها يظل خارج زمنه وجيله.