تمنيت اليوم أنني لا أجيد مسك "القلم".. ولا يجيد "الألم" مسك يدي التي تؤلمني؛ لأنها وقعت على الموافقة بـ"نزع" أعز وأغلى وأرق وأنقى وأطهر قلب عرفته في حياتي.

أحسست بـ"الألم" من "القلم" الذي وقعت به على إجراء عملية "قلب مفتوح" لقلبي الذي يسكن جسد والدي الـ"عزيز" الذي لولاه لما كنت "فواز"، ولولاه لما عرفت حرفا ولا فكرا.. فتركت "القلم" لأكتب بـ"ألمٍ"؛ لأن قلب أبي الذي علمني الحب والرحمة بين مشارط الجراحين.

مرت عليّ 72 ساعة حسبتها 72 سنة لطولها، فتعلمت منها: أن الصبر ليس جميلا بل صعبٌ ومؤلم ولا يختلف عن العذاب في شيء.. وتعلمت أن ألم الـ"عزيز" أقسى من ألم النفس، ومرضه مرضان للنفس.. وتعلمت أن الأطباء ومن عاونهم في المشافي هم ملائكة تمشي بيننا.. وتعلمت أن الحياة بلا رحمة ولا حب "موتٌ إكلينيكي".. وتعلمت أن الإنسان جاهلٌ بنفسه ومكونات جسمه، وأن كل ما نعرفه عن عظمة الخالق ليس إلا نقطة في محيط جسم الإنسان، الذي يحوي من دقة الخلق وإبداع الخالق ما يبهر كل عقل.

وتعلمت أن قدرات المرء ضعيفة أمام الحب، الذي يبعثرها.. فلأول مرة ترتبك الحروف بين يدي؛ لأن من علمني الكتابة وزرع فيّ حبها، يرقد الآن على سرير العمليات، وقلبه منزوعٌ بجانبه، والأطباء يعملون على إصلاح "الشرايين" التي كان الحب والرحمة يجريان فيها أسرع من جريان الدم، وحتى حين قل جريان الدم فيها ـ لعلة ـ لم يقل الحب والرحمة فيهما بل زادا حتى أغرقاني.

وتعلمت أن أقف شامخا وهامتي تحت قدمي "عزيز" بعدما أصبحت وليا لأمره، لأقول لوالدي: إني مقصرٌ وعاجز عن أن أمنحك عُشر ما منحتني وإخواتي ونحن مجموعة وأنت واحد.. ما أكبر قلب الأب، وما أشد الألم وأنت توافق على نزع قلبه حتى لو كان علاجا.

(بين قوسين)

عشت تجربة قاسية خففها علي أهلي في "عرعر"، ومركز الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد لجراحة القلب بعرعر، الذي يحق لأهل الشمال أن يفخروا به، وأن يشكروا أميرهم الذي دعمه، و"صحة الشمالية" التي لم تقصر معه.