قد يفكّر أحدنا في الكتابة بوصفها حالة ذهنية، دون أن يتوقف به التفكير كثيرا عند الوسيلة أو الأداة التي مكّنت المؤلفين والكتّاب عبر التاريخ بالقيام بدورهم في نقل أفكارهم وعلومهم إلى حالتها المقروءة عبر الكتابة، وبالتالي فإن الكاتب قد لا يفكر كثيرا بتطور أدوات الكتابة عبر التاريخ، وهو الهدف الذي سعى إليه الكاتب الفرنسي "برنار روبير" الشغوف بالكتابة وأدواتها، حيث صدرت له عدة كتب مهمة في هذا الشأن، فقد انتقل في مسيرته العملية من مجال الهندسة المدنية في مصلحة بناء لجسور والطرق إلى مجال آخر أهم وأكثر صعوبة، وهو ما أستطيع تسميته بـ"هندسة أدوات الكتابة" عبر كتابه المعنون بـ"أدوات الكتابة من الأداة الخاصة إلى الأداة العامة" والصادر هذا العام "2013" عن الملحقية الثقافية السعودية في باريس، والذي قدّم له وزير التعليم العالي السعودي الدكتور خالد العنقري، وترجمه أستاذ اللغة الفرنسية والترجمة عصام المحيا.
ويؤكد المؤلف في مقدمته أن التصنيف المعتمد في كتابه يرتكز على "إظهار التغيّرات الجذريّة التي ألقت بظلالها على مواصفات هذه الأدوات وسلوكات المجتمعات، حيث إن كلا منها يُعدّ انعكاسا للآخر". والجميل في الكتاب أنه يشتمل على إدماج عنصرين مهمين في الكتابة، وهما الكلمة والصورة، ففي عصر ما قبل التاريخ يجزم المؤلف بأن "اليد" هي أقدم أدوات الكتابة على جدران الكهوف والملاجئ والملاذات، باستخدام مساحيق من مواد معدنية ونباتية ـ بل ودموية ـ توضع على الإصبع لتكون أداةً لتسجيل فكرة أو كتابة لغة منطوقة، ثم ينتقل المؤلف إلى مرحلة استخدام القلم المعدني المصنوع من الرصاص المذاب كأداة للكتابة، الذي غالبا ما يزيّن بزخارف دينية تصويرية أو رمزية.
ويمثل اكتشاف "الغرافيت" في المناجم نقطة تحول في استخدام كأداة للكتابة، وقد سمى العالم السويدي "شيل" هذه المادة بالغرافيت اشتقاقا من كلمة "غرافيان" بمعنى "يكتب" باليونانية ليميزها عن الرصاص، وقد احتكر الإنجليز استثمار مناجم الغرافيت؛ ونتيجة هذا الاحتكار عمد نجار ألماني إلى اختراع ما سمي بـ"القلم المزلاق"، وأدى اهتمامه بأدوات الكتابة إلى تطورت صناعته حتى أسس دار "فابر" الشهيرة فيما بعد.
ويشير المؤلف إلى أن القلم ظل حاضرا في كل العصور، على الرغم من النجاح الذي حققته بعض أدوات الكتابة الأخرى، وكتب كثير من الكتّاب مؤلفاتهم بهذا النوع من الأقلام؛ لأنه يجنّبهم الشطب أثناء الكتابة، إلا أن الشاعر الألماني الشهير "غوتة" عبّر في أحد دواوينه الشعرية عن أنه يفضل الانسياب الصامت لسن القلم على الورقة، وأن صرير الريشة أثناء الكتابة يعكّر صفو الإلهام!
وكان اختراع "سن" القلم حلا أمام تكرار بري القلم الخشبي الذي ـ كما يقول المؤلف ـ يظل يتيما دون أداتين مكملتين: الممحاة والمبراة اللتان تطورتا مع تطور الكتابة، ودخل عامل الرفاهية والجمال على القلم، وكذلك المبراة والممحاة، كما يشير المؤلف إلى مادة الطبشور للكتابة على الألواح "وإننا نستحضر ذكريات المرحلة الدراسية التي كان حاضرا فيها الإصبع الطباشيري ونشتم عبقا يفوح من استخدامه".
كما أن الإزميل بنوعيه الفولاذي والحجري أحد أدوات الكتابة المستخدمة منذ فجر التاريخ، فالمصريون القدماء كان لديهم ثلاث طرق للكتابة أشهرها الهيروغليفية، وكلمة "غليف" تعني الخط المنحوت المجوّف المنقوش على سطح لكتابة نصوص مقدسة، ويسترسل الكاتب حول هذه الأدوات منذ استخدامها في الكتابة على الصخر إلى استخدامها في نحت النصب التذكارية. ويجزم المؤلف بأن العصور الوسطى كانت فترة مميزة في تاريخ الكتابة سادت فيها المنمنمات، وأتاحت وفرة أدوات الكتابة آنذاك إنجاز أعمال ذات أهمية تاريخية بالغة، وكان النساخ يستخدمون ثلاث أدوات للكتابة بالمداد (المرقاش، وقلم القصب، وريشة الطير) واستخدام يسير للريشة المعدنية التي كان صنعها حكرا على صاغة المعادن الثمينة، وقد شاعت خلال فترة العصور الوسطى مهنة "الكاتب العمومي" للعرائض والمعاملات والمراسلات الخاصة، وكان الكتّاب العموميون يمثلون طبقة اجتماعية خاصة ملحقة بطبقة رجال الدين، ويؤكد المؤلف أن وظيفة الكاتب العمومي ما زالت موجودة في بعض المدن الفرنسية حتى هذا اليوم.
ويحلّق المؤلف بقرائه في فضاء أدوات الكتابة خلال فترة تاريخية طويلة عبر قلم القصب وورق البردي، وريشة الإوز والرق، والمسحوق الذي يستعمل في تجفيف الحبر، والمقلمة العربية والغربية، ويلمح إلى دور الثورة الفرنسية في نشر التعليم وتطوير أدوات الكتابة والكتابة ذاتها، مستشهدا بصور وعبارات تصوّر التفاوت الضخم في طرق المدارس في التعليم على مستوى الأماكن والطبقات الاجتماعية التي لم تكن لتزول بسهولة.
يحتوي الكتاب على كم هائل من الصور والمعلومات والوثائق التي تحكي تاريخ الكتابة وتطور أدواتها عبر التاريخ حتى الوصول إلى اكتشاف المطبعة، وأثرها الهام في تعميم المعرفة، ثم الآلة الكاتبة، التي كان يوازيهما تطور في نوعية القلم، إلى عصر الحاسوب الذي أتاح الكتابة للجميع، ولم يتردد في أن يستعير شكل القلم في استخدامه للكتابة الإلكترونية... وأخيرا مسك الختام بخط القلم خاتمة مميزة لكاتب متميز.