أقبل كوعل شتوي أنهكه المطر الجبلي النازف، جلس إلى جواري يحدق في وجوه العابرين من المرضى الذين تكتظ بهم ممرات المستشفى، أطلق تنهيدة كصوت ساقية هرمة، سألني وهو يهز عصاه التي يتوكأ عليها: هل هذا دكتور العظام؟ قلت له: نعم، هل تشكو عظامك من عربات الزمن ورحى الدهر؟ قال وقد أغمض عينيه من التعب: عانيت كثيرا من آلام الركب فما أقسى أن يبصرك الآخرون تزحف في زوايا الدار كطفل. قلت: هل حان موعد كشفك عند الدكتور فمواعيده صعبة ومستحيلة؟ قال في صوتٍ خفيض وبارد كبرودة حجر الغدران: لا لم أحجز ولم أكن أعلم بهذه الإجراءات التعسفية، حدق في اللوحة الصغيرة المثبتة على باب الدكتور وسألني ما اسم الطبيب؟ قرأت الاسم فابتسم وكأنها خفّت أوجاعه، وتحققت رغباته المهيضة وأخرج من أكمامه الداخلية جهاز الجوال، والذي يبدو عليه الاستخدام المفرط والتآكل، وقال في زهوٍ مفتعل: يبدو أن الدكتور من (الربع والقبيلة) وبدأ يفكر في استدعاء بعض الأسماء التي يعول عليها ويخزنها في جواله، للتوسط له عند الدكتور. طلب مني قراءة الأسماء المنسربة والمخبوءة داخل الشاشة، فأبناؤه كما يقول سجلوا الأسماء بناء على رغبته، بدأت أقرأ ما تلتقطه عيناي والنظر المتكرر إلى وجهه، لكي أصطاد الاسم المطلوب فكان أولها (كذبان)، لاحظ استغرابي فقام بمطابقة الملفوظ مع الواقع: نعم من الجماعة لا يكف عن الكذب واستحضار الجن والادعاء بكشف الحجب، رغم أنه لم يكتشف الحفرة التي بجوار داره بعد أن سقط فيها وفقد عدداً من أسنانه، (البسه) أي الهر ضحك حتى كاد فكه يلامس ركبته وقال: هو حريص على إيذاء الآخرين من خلال تقليب ونقل الكلام، والتلذذ بقطع الأواصر وتنغيص معيشة خلق الله، يشبه البسه التي احترق ذيلها فقامت بالهروب من (عشة إلى عشة) حتى أفنت وأبادت حياً بكامله، قلت له: لماذا ترمز لبعض هذه الأسماء بالتوصيف المخجل ولا تكتبها صريحة؟ قال: وقد انتفض كطائر الرخ (مايستاهلون) أعدت له الجوال ولمحت في آخر الأسماء (ملهي الرعيان) فقلت ربما يكون المطلوب، فقال: لا إن الذي أريده من كبار القوم وعضو في المجلس البلدي، أما (ملهي الرعيان) فهو طائر صغير يلهي ويغري الرعيان باصطياده حين يقفز من طلحة إلى طلحة، حتى تضيع قطعانهم أو يأكلها الذئب، وأقصد به خال أبنائي حين يزورنا ويشغلنا بثرثرته وهدراته مما يعطل أعمالنا ويصرف أبنائي عن مذاكرتهم، انزلقت يده لمقبض عصاه وتمتم بكلمات محبطة، ونهض كحصان جريح ينتفض صدره كمدخنة، وقال في صوت واهن علاجي عند المداوية (مهرة) حتى ولو كان بالكي وملقاط النار، واختفى تتلعثم أقدامه وهي تصطك بجدران الممر الطويل.