اختصر البعض قصيدة النثر في الشكل، واعتبر أن نثريّة القصيدة هو جواز عبورها إلى هذا النوع الشعري. يكفي عند هؤلاء الارتفاع عن قيد الوزن لتتحقق قصيدة النثر. وكأنهم بهذا يخلصون إلى أن النثر ماهية ومعيار، ولا توجد عناصر أخرى هي الأساس والجوهر لاكتساب الشعر والشعريّة.
هذا المفهوم البرّاني لقصيدة النثر، نكاد نجده يتكرّر عند كثرة كاثرة ممّن يكتبون القصة القصيرة جدا، وإنْ بمفهوم شكلي آخر. فمعيار الوزن الذي انوجد مقياسا لانتساب القصيدة إلى النثريّة، يقابله معيار الحجم الذي يقاس به صحّة النسب إلى قبيلة القصة القصيرة جدا.
ووفقَ هذا المعيار الزائف، انفتح باب الكتابة على مصراعيه لاندفاع محموم نحو القصة القصيرة جدا.
تضخّمَ ادّعاء الوصل بها.
أصبحت بطاقة الحجم الممغنطة جواز العبور الآمن غير المشكوك فيه. طابِقْ الكلمات المعدودة والجمل القصيرة وكمية البياض المادي المتروك على صفحة الورقة لتتأكّد من سلامة النوع وإطلاق البُشرى بمولود تام غير منقوص ولا مشوّهة أعضاؤه.
يغيب أن الحجم أحيانا، وإن كان يبدو مختزلاً وقليلاً، يخفي ثرثرة تكشفها الجمل السطحية التي تتعلّق بتتابع المشهد الخارجي وبتفصيل وبأدوات ربط متفاقمة.
بخلاف الثرثرة المتخفية هناك التلخيص الذي لا يتعدّى الإجمال والاختصار الخارجي لحكاية.. والمعنى أن التعامل، مع صغر حجم القصة القصيرة جدا، جرى استخدامه باستخفاف واستسهال وقلّة دراية.
إن الحجم أداة وليس غاية. أداة فنيّة تنجز التركيز. كيف يكون لدينا قصة قصيرة جدا وهي تفتقد هذا الملح الرئيس والتمييزي. التكثيف؛ تركيز الدلالة معطى هام ينبغي أن يكون بين عيني الكاتب وحاضرا في وعيه على الدوام.
تحت عنوان قصص طويلة نقرأ هذه الفاصلة لخوان رامون خيمينيث: "قصص طويلة، طويلة جدا!! من صفحة كاملة! آه.. متى يأتي يومٌ نعرف فيه نحن البشر كيف نجعل من شرارة واحدة نلك الشمس التي قد ينجح إنسان في أن يهبها لنا مركّزةً في شرارة؛ يومٌ ندرك فيه أن الأشياء ليس لها حجم، ولذلك فهي تكفي؛ يومٌ نعي فيه أن قيمة الشيء ليست في أبعاده".
الشمسُ مركّزة في شرارة هذه هي الدلالة الغائبة في "حجم" ما نقرأ من قصص قصيرة جدا.