إذا كان هناك موضوع مهم في ملف موظفي القطاع الحكومي فأعتقد أنه لا يوجد أهم من التجمد الوظيفي، الذي يعاني منه عدد كبير من موظفي المنشآت الحكومية. وبالرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة عن عدد المتضررين من ذلك، ولكن من خلال بيئتي الموجودة حولي من الزملاء والزميلات في عدد من القطاعات الحكومية أستطيع أن أصل إلى أن هناك نسبة كبيرة وكبيرة جداً تعاني من ذلك، ومنذ سنوات طويلة، وهذا الملف عجز كل من ديوان الخدمة المدنية سابقاً -حالياً وزارة الخدمة المدنية- ووزارة المالية والقطاعات المختلفة عن حله. وإن كنت أجهل كما يجهل الكثيرون سبب العجز هذا.

يشكو كثير من موظفي القطاع الحكومي من جملة مشاكل تتركز أهمها في أن الموظف لا يستطيع الحصول على حقه في المرتبة الوظيفية التي يستحقها بعد قضاء سنوات الخدمة اللازمة للترقية، فبعضهم بالرغم من حصولهم على مؤهلات علمية عالية وكذلك حصولهم على دورات تدريبية متطورة، ولديهم الخبرة الإدارية الكافية لكنهم يظلون ولسنوات عدة تتجاوز العشر سنوات على نفس المرتبة الوظيفية، حتى إن بعض زملائهم يتدرجون بينما يقف هؤلاء محلك سر، إضافة إلى أن تقييم الأداء الوظيفي الخاص بهم وأدائهم للعمل يكون بدرجات متقدمة. والأدهى والأمر أن رواتب كثير من هؤلاء المجمدين تتوقف عن الزيادة السنوية، وعلى قول إخواننا المصريين "ضربتين في الرأس توجع".

لن تخلو منشأة حكومية من هؤلاء الموظفين.. والذي "زاد الطين بلة" أن هؤلاء الموظفين جاءت قرارات نفذت بطريقة خذلتهم، بل وظلمتهم، فتم قبل سنوات ترسيم موظفي بند الأجور والعمال وموظفي بند محو الأمية بأثر رجعي، فظل الموظف المجمد وظيفياً والذي يحمل مؤهلات علمية وكذلك خبرة إدارية ولديه العديد من الدورات التدريبية في أسفل التدرج الوظيفي في المنشأة، إضافة إلى أن عمره أكبر من كل هؤلاء المرسمين، فاقترب من التقاعد وهو لا يزال في مرتبة أقل بكثير مما يستحق، وكأن هذه هي مكافأة نهاية الخدمة له من منشأته الذي قضى سنواته عمره فيها عله يحصل على حقوقه. بل وبعد ترسيم هؤلاء بدؤوا في دخول المسابقات الوظيفية للمنافسة على مراتب أعلى دون نظر من المسؤولين للمشكلة الأولى، وهي مشكلة التجمد الوظيفي للموظفين الرسميين. فحصلوا على الترسيم وفازوا بالمسالبقات الوظيفية، وهؤلاء المجمدون ينظرون لهم بعين الحسرة على حقوقهم الضائعة.

وبعد كل ما سبق هل نعتقد أن موظف القطاع الحكومي الذي يعاني من هذه المشاكل الإدارية ستكون لديه طاقة للعمل أو حتى للإبداع والتميز؟؟ هل سيكون لديه دافع يومي لزيادة إنتاجيته؟ وهل سيكون لديه رضا وظيفي يمكنه من تقديم الأفضل! عني: أرى أن موضوع التجمد الوظيفي الذي يعاني منه موظفو القطاع الحكومي هو موضوع ينخر في خاصرة القطاعات الحكومية كافة، لأنها تولد موظفين هم ممن فقدوا الهمة والعزيمة والرغبة في مواصلة العمل فكانوا كمن يظل عالة على نفسه وعلى منشأته..

وليس هذا فقط ولكن بعد عدد من السنوات وبعد كثير من الإحباطات يأتي المديرون ويطالبون هؤلاء الموظفين بأعباء وظيفية وتكليفات إدارية في ظل نظام خذل هؤلاء الموظفين فكان النظام والمديرون كما السندان والمطرقة والموظف بينهما.

وإنني أستغرب من أولئك المسؤولين الذين يقفون على قمة الهرم الوظيفي لكثير من القطاعات الحكومية والذين يفرحون ويسعدون حين تجدد لهم الثقة في الاعتلاء والجلوس على كراسي تلك المنشأت وهم غير قادرين على إيجاد حلول لموظفيهم، بل ويطالبون هؤلاء الموظفين بالعمل والإبداع والتميز وهم في بيئة قد سلبتهم أبسط حقوقهم وهي الحصول على مراتبهم الوظيفية.

وعندما يلجأ الموظفون إلى رؤسائهم وإلى مديريهم للتعبير عن مشاكلهم؛ ففي الأغلب يأتي الرد: إننا لا نستطيع تجاوز النظام.. سؤال لكل مدير ولكل عميد ولكل رئيس وهو يتربع على منشأة أو قطاع أو دائرة حكومية: هل التجمد الوظيفي الذي يتنصل منه الجميع ويرميه كل مسؤول على الآخر هو النظام؟ وأين حقوق الموظفين وممن يحصلون عليها؟ ومتى وكيف؟

المجمدون حاولوا الحصول على حقوقهم من خلال برقيات ترسل هنا وهناك، وخطابات ترفع للمسؤولين، لكن لا حياة لمن تنادي. ولن يفوتني أن أذكر أن هناك قطاعات قليلة جداً يوجد بها مسؤولون ممن يخافون الله فجاهدوا وعملوا وحصلوا لموظفيهم على حقوقهم، لكنهم قلة قياساً بعدد المديرين الذين ينامون على الملفات التي يعلوها الغبار دون حل أو نتيجة تذكر. ناهيك عن أن كل موظف يلجأ إلى الإعلام أو المحكمة الإدارية أو ديوان المظالم أو ديوان المراقبة العامة أو حتى هيئة الفساد أو هيئة حقوق الإنسان بحثاً عن حقوقه الضائعة هو موظف مشاكس.. ومتمرد، ويبدأ تسلط المديرين عليه.. ناسين أن "الساكت عن الحق شيطان أخرس" و"ما ضاع حق وخلفه من يطالب".

في الختام: أتحدى كل مسؤول يجلس على كرسيه الوظيفي وهو مسؤول عن عدد كبير من الموظفين المجمدين أن يقدم استقالته عندما يعجز عن حل مشاكل موظفيه، وبالذات ملف "التجمد الوظيفي".. ولن أنسى أن أذكّر هؤلاء المسؤولين بقول الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).