مع تزايد الوعي العام أصبحت المطالبة بالمساءلة العامة في تزايد واضح، مع الاهتمام بقضايا الغش والفساد، والشعور بأهمية دور الأجهزة الرقابية في هذا المجال. وهذا الوعي نراه جلياً في اقتران اسم ديوان المراقبة العامة بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" عند كشف أية حالة أو قضية فساد في الوسائل الإعلامية.
وليس هذا فحسب، بل يرى البعض أن هناك تداخلا وتماثلا في المهام وازدواجية بين "نزاهة" وديوان المراقبة، وهناك مطالبات بتوحيد الاختصاصات في جهة واحدة، كما أن هناك اعتقادا سائدا لدى البعض بأن سبب إنشاء "نزاهة" هو فشل ديوان المراقبة في ضبط الفساد. وهذا الأمر، وبغض النظر عن مدى صحته، يدل على الدور المتعاظم للديوان في مكافحة الفساد، إلا أن هذا الدور في الحقيقة يشوبه الغموض وعدم الوضوح بالرغم من الشعور بأهميته. كما أن رؤية ووعي المواطنين عن الفساد تفرض مخاطر جادة حول مصداقية النتائج الرقابية وملاحظات الديوان في كل مهمة رقابية ومسؤوليته ودوره الوطني، والسؤال المطروح هنا: ما طبيعة دور الديوان في مكافحة الفساد، وهل فشل فعلاً في تحقيق هذه المهمة؟
عند مراجعة نظام ديوان المراقبة الحالي، نجد أن الديوان مسؤول عن حماية المال العام، وعن ضبط المخالفات المالية والإدارية، ولم يشر النظام صراحةً إلى ضبط قضايا الفساد، ولكن من المتعارف عليه ضمناً أن مهام الديوان تؤدي إلى كشف حالات الفساد، وبالتالي هناك مستوى من التفويض الرسمي للديوان ليتناول حالات الغش والفساد عند تنفيذ مهامه الرقابية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية الناس في المجتمع تعتبر أن أية مخالفة مالية أو إدارية هي حالة فساد مهما كانت أسبابها، على الرغم من أن هنالك أنواعاً كثيرة من المخالفات لا ترقى بالضرورة لمستوى الفساد، وخاصةً تلك المخالفات التي تنشأ بسبب أخطاء محاسبية أو إدارية وتكون غير متعمدة أو عفوية، بالإضافة إلى وجود قضايا يصعب فيها تحديد الغرض أو الدافع في اتخاذ القرار بشأنها، وخاصةً تلك المسائل التي تشتمل على رؤى وأحكام تقديرية.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن جميع المخالفات التي يكتشفها الديوان ليست بالضرورة ناجمة عن الغش والفساد، ولكن وكما ذكرت آنفاً يستطيع الديوان من خلال إنفاذ مهامه الرقابية كشف حالات الفساد وإثباتها وتحديد مخاطرها عن طريق تحديد مواطن الضعف المتواجدة في تصميم أو تشغيل أنظمة الرقابة الداخلية التي يقوم بمراجعتها والتي تعتبر من صميم اختصاصاته.
نأتي الآن ونتحدث عن الشق الثاني من سؤالنا السابق: عن مدى نجاح أو فشل جهود الديوان في مجال مكافحة الفساد، فقد نشرت تقارير صحفية عن وجود تحديات وصعوبات يواجهها الديوان عند ممارسته لاختصاصاته، منها: تقادم نظامه الحالي وعجزه عن مواكبة التطورات الحديثة، تقادم بعض الأنظمة المالية ولوائحها، عدم تجاوب بعض الجهات الحكومية وحجب المعلومات عن الديوان، ضعف الإمكانات المادية والبشرية، بالإضافة إلى عدم وجود عقوبات جزائية على المخالفين للأنظمة والتعليمات.
والعوامل السابقة لها تأثير سلبي على جهود الديوان في التصدي لوقائع الفساد، ولكن في اعتقادي لا تعتبر هذه العوامل مسببات رئيسية، بل يمكن اعتبارها ثانوية في مجال اختصاصات الديوان، فالنظام الحالي أعطى للديوان صلاحيات وتفويضا رسميا لمكافحة الفساد، وهذه الصلاحيات يجب أن تترجم في أعمال الديوان.
فعند مراجعة الخطة الإستراتجية الثانية للديوان (1431 – 1435هـ) والمنشورة في موقعه على شبكة الإنترنت، نجد أنها خالية تماماً من أية هدف يتعلق بمكافحة الفساد، وإن تضمنت الخطة هدفاً يتعلق بتفعيل وسائل المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية، فإذا كان هذا الهدف له دور في الحد من أوجه الفساد إلا أنه لم تتم الإشارة إلى ذلك صراحةً!
وقد يقول قائل إن "جميع أهداف الخطة الإستراتجية إذ تم تنفيذها على الوجه المطلوب، فسوف تمنع وتحد بطبيعة الحال من ممارسات الفساد"، ورغم منطقية هذا القول، إلا أنه في رأيي غير كاف، ولا بد من التأكيد الواضح والصريح على دور الديوان في هذا المجال.
لنأخذ على سبيل المثال دور الديوان في مجال مراجعة العقود الحكومية، فقد نصت المادة (23) من نظامه الحالي على أنه يجب على كل جهة حكومية أن "ترسل إلى الديوان نسخة أصلية من عقود التوريدات والتعهدات والأعمال والخدمات.. ويجب أن تكون تلك النسخة مصحوبة بكافة ما يتعلق بالعقد من وثائق ومستندات وبيانات"، وعليه يتلقى الديوان سنوياً نسخ العقود التي تبرمها الجهات الحكومية، ويتولى مراجعتها للتأكد من مطابقتها للأنظمة والتعليمات، وبالتأكيد سوف يكتشف الديوان أخطاء ومخالفات مالية وإدارية، بعضها يدخل ضمن إطار مفهوم الفساد، ومن ذلك على سبيل المثال "الرشوة"، فعند اكتشافها سوف تتم إحالتها للجهات المختصة، ولكن هل لدى الديوان سياسات واضحة للتعامل مع مثل هذه الحالات؟ وبعبارة أخرى: هل هناك تعليمات واضحة لمراقب الديوان عند اكتشافه لحالات الرشوة وكيفية اكتشافها وضبطها؟ وهل يتم أخذ ذلك في الاعتبار عند التخطيط لمهام مراجعة العقود وتحديد المخاطر؟ وأخيراً كيف تتم صياغة قضايا الفساد في التقارير الرقابية؟
بدون رؤية وإستراتجية واضحة لمكافحة الفساد، فإن الإجابة على الأسئلة السابقة سوف تكون بالنفي، وسوف تكون الممارسات في هذا المجال عبارة عن اجتهادات شخصية غير مؤسسية منظمة، وبناءً على الحالة المزاجية لمراقب الديوان، لذا يجب على الديوان تحديد رؤيته المستقلة تجاه قضايا الفساد، وعليه النظر في تبني سياسات وإستراتيجيات واضحة لمنعها والحد منها، وأخذ ذلك في الاعتبار عند مراحل التخطيط والتنفيذ للمهام الرقابية، مع وضع فصل مستقل خاص بقضايا الفساد في التقارير السنوية للديوان، والعمل على تصحيح صلاحيات تفويض الديوان وتعزيزها، وذلك بإضافة أحكام تنظيمية محددة وصريحة.